انتهاء ولاية رئيس جامعة ابن زهر تثير تساؤلات حول مستقبل التعليم العالي بالمغرب
الدكتور زكرياء بنعمر فارس
في خطوة تعكس دينامية المشهد الأكاديمي المغربي، انتهت ولاية السيد عبد العزيز بنضو، الرئيس السابق لجامعة ابن زهر بأكادير، بعد مسيرة حافلة بالمناصب والمسؤوليات على المستويين الوطني والمحلي. تأتي هذه المناسبة لتثير تساؤلات جوهرية حول فعالية نموذج إدارة الجامعات الحالي، ومدى قدرته على مواجهة تحديات التعليم العالي في سياق عالمي متسارع التغير.
مسيرة حافلة بـ “الخبرات” ومؤشرات على “الفشل الممنهج”
يُعدّ السيد عبد العزيز بنضو، بشهاداته العليا المتعددة (دكتوراه الدولة، دكتوراه السلك الثالث، وشهادتي ماستر) وخبراته المتراكمة، نموذجًا للكفاءات التي تتقلد مناصب قيادية في المنظومة الجامعية المغربية. فقد شغل بنضو العديد من المناصب الهامة، بما في ذلك:
رئيس اللجنة العليا لمعادلة الشواهد: منصب ذو حساسية بالغة، يكشف عن ضرورة مراجعة معايير الاعتراف بالشهادات الوطنية والدولية وضمان جودتها، وهو ما يظل تحديًا كبيرًا أمام خريجي الجامعات.
عضو اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي: يعكس هذا الدور أهمية التنسيق بين مختلف مكونات التعليم العالي، إلا أن التحديات المستمرة المتعلقة بتوحيد الرؤى والبرامج بين الجامعات المغربية تلقي بظلالها على فعالية هذا التنسيق.
المنسق الوطني لكليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية والمدارس الوطنية للتجارة والتسيير: هذه المسؤوليات المتعددة تشير إلى حجم الضغط الإداري على الكفاءات، وقد تعكس نمطًا إداريًا مركزيًا يفتقر إلى التفويض الفعال، مما قد يعيق الإبداع والمرونة في التسيير اليومي.
نائب رئيس جامعة ابن زهر المكلف بالبحث العلمي والتعاون: رغم أهمية البحث العلمي كرافعة للتنمية، فإن التحديات المتعلقة بتمويله، وربطه باحتياجات سوق العمل، ونشر مخرجاته على نطاق واسع، لا تزال قائمة، مما يطرح تساؤلات حول جدوى التعاونات الدولية إذا لم تترجم إلى قيمة مضافة ملموسة للجامعة والمجتمع.
إدارة مؤسسات تعليمية مرموقة (المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية، المدرسة العليا للتكنولوجيا): هذه التجارب الإدارية تشير إلى فهم عميق لمتطلبات التعليم المتخصص، ولكن السؤال يبقى حول مدى ترجمة هذه الخبرات إلى سياسات شاملة ترفع من جودة التعليم الجامعي ككل.
كما أن انخراط السيد بنضو في مشاريع بحث وتكوين دولية (Tempus, Erasmus Mundus, Poctofex, FRAB) وقيادته لمشاريع تنموية محلية (PCD 66 F بجماعات تارودانت) يؤكد على قدرته على التنسيق والعمل المشترك. إلا أن تقييم الأثر الفعلي لهذه المشاريع على جودة التعليم وتنافسية الخريجين يظل أمرًا حاسمًا يكشف مدى نجاح المنظومة ككل في الاستفادة من هذه المبادرات.
الإدارة الأكاديمية والبحث العلمي: هل نحن نسير في الاتجاه الصحيح؟
يُسجل للسيد بنضو إشرافه على العديد من مسالك الماستر والدكتوراه وتأطيره لـ 15 أطروحة دكتوراه، مما يدل على اهتمام بالجانب البيداغوجي والبحثي. ولكن هذه الأرقام، وإن كانت إيجابية، تدفعنا للتساؤل حول جودة هذه الأطروحات، ومدى مساهمتها في حل المشاكل المجتمعية، ومدى ارتباطها بالقطاع الاقتصادي. فغالبًا ما تواجه الجامعات المغربية انتقادات بخصوص عدم ملاءمة مخرجات البحث العلمي مع متطلبات سوق الشغل، وضعف التمويل الموجه للابتكار، وغياب بيئة محفزة للبحث التطبيقي.
إن تنوع انتماءات السيد بنضو الجمعوية (نائب رئيس جمعية مبادرة سوس ماسة لتمويل المقاولات، نائب رئيس جمعية Haliopole cluster، رئيس جمعية الأطلسيان للفنون والثقافة) يعكس اهتمامًا بالمجتمع المدني وتنمية المنطقة. لكن يبقى التحدي الأكبر هو كيف يمكن لهذه الأنشطة أن تنعكس إيجابًا وبشكل مباشر على جودة التكوين الجامعي، وربطه بالنسيج الاقتصادي والاجتماعي. هل تنجح الجامعات في نسج شراكات حقيقية مع هذه الفعاليات لتعزيز قابلية توظيف الخريجين؟
نحو إصلاح شامل: تحديات تتجاوز الأشخاص
إن انتهاء ولاية رئيس جامعة، مهما كانت كفاءته أو مسيرته، يجب أن يكون فرصة لإجراء تقييم معمق للمنظومة ككل. فالنص المُقدم، رغم إبرازه لمسيرة مهنية متميزة، يُخفي بين طياته إشارات إلى جملة من التحديات التي تعترض التعليم العالي بالمغرب، منها:
البيروقراطية والتسيير المركزي: تعدد المناصب وتداخل المهام قد يشيران إلى نمط إداري يعتمد على “تراكم المسؤوليات” بدلاً من “توزيعها” بكفاءة، مما يعيق المرونة والابتكار.
ضعف الاستقلالية المالية والإدارية للجامعات: رغم الحديث عن استقلالية الجامعات، إلا أن القرار النهائي غالبًا ما يبقى بيد الجهات الوصية، مما يحد من قدرتها على التكيف السريع مع التغيرات وتلبية احتياجات سوق العمل المتجددة.
غياب رؤية استراتيجية واضحة وموحدة: على الرغم من وجود لجان تنسيق وطنية، فإن الجامعات قد تفتقر إلى استراتيجية وطنية موحدة تضمن التناغم بين التخصصات والبرامج وتفادي الازدواجية غير المجدية.
فجوة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل: يظل هذا التحدي الأبرز، حيث يشكو أرباب العمل من عدم ملاءمة الكفاءات المتخرجة مع احتياجاتهم، مما يستدعي مراجعة شاملة للمناهج الدراسية وتطوير مقاربات بيداغوجية تركز على المهارات الناعمة والكفاءات العملية.
ضعف البحث العلمي والابتكار: على الرغم من الجهود المبذولة، يبقى البحث العلمي المغربي دون المستوى المأمول من حيث حجم الإنتاجية وجودة المخرجات وتأثيرها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
في الختام، يمثل انتهاء ولاية السيد عبد العزيز بنضو فرصة للتفكير النقدي في آليات الحكامة الجامعية، والعمل على بناء نموذج تعليمي أكثر مرونة واستجابة للتحديات الراهنة والمستقبلية. إن تطوير التعليم العالي يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتجاوز الأشخاص والمناصب، وتركز على تعزيز استقلالية الجامعات، وتحسين جودة البحث العلمي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق الشغل.









