أزمة العودة: لماذا يتردد بعض المغاربة المقيمين بالخارج في العودة إلى الوطن؟

Mekki Sebai24 أغسطس 2025آخر تحديث :
أزمة العودة: لماذا يتردد بعض المغاربة المقيمين بالخارج في العودة إلى الوطن؟

أزمة العودة: لماذا يتردد بعض المغاربة المقيمين بالخارج في العودة إلى الوطن؟

 

طارق عفيف

 

تتحدث الأرقام الرسمية عن عودة مليونية للمغاربة المقيمين بالخارج، لكن الشهادات الواقعية تحكي قصة مختلفة تماماً. فخلف أرقام عملية “مرحبا” وخطابات الترحيب، يكمن شعور متنام بالاستياء وعدم الارتياح، يدفع شريحة متزايدة من أبناء الجالية إلى التفكير بجدية في عدم تكرار الزيارة أو تقليص مدتها.

“لسنا أبقاراً حلوباً”: شعور بالاستغلال يخترق رابط الانتماء

يعبر العديد من أفراد الجالية عن إحباطهم من التعامل الذي يصفونه بـ”الاستغلالي” خلال فترة الصيف. فالأمر لا يتعلق بالمال فقط، بل بمسألة كرامة وشعور بالتقدير. يشكو المهاجر من أنه يُنظر إليه كـ”محفظة نقود متحركة” أو “بقرة حلوب”، وليس كابن لهذا الوطن. فما كان يفترض أن يكون لقاءً عائلياً دافئاً يتحول إلى تجربة سياحية باهظة الثمن، حيث تتضاعف الأسعار في الفنادق، الشقق، وحتى لدى بعض الباعة والتجار، مما يولد شعوراً بالإهانة والغبن.

صراع بين القلب والعقل: “الوطن” يتحول إلى وجهة سياحية

يواجه المهاجرون صراعًا نفسيًا عميقًا. فمن جهة، يدفعهم الحنين إلى العودة لزيارة الأهل والأحباب وتجديد الصلة بالجذور. ومن جهة أخرى، يفرض الواقع الاقتصادي منطقًا آخر. يقول أحدهم: “قلبي في المغرب، لكن عقلي يأخذني إلى وجهة أخرى”. فالتكاليف المرتفعة، التي قد تفوق أسعار العطل في وجهات سياحية عالمية أخرى، تجعل قرار العودة محكوماً بالمنطق المادي أكثر من العاطفة. هذه الدوامة الفكرية تؤدي إلى ما يسميه بعض الخبراء بـ**”التنافر المعرفي”**؛ إذ تتعارض الرغبة العاطفية في العودة مع التجربة السلبية التي تنتظرهم.

شرخ الأجيال: جيل يتردد وجيل لا يعرف

ليست تجربة العودة موحدة بين جميع المهاجرين. هناك جيل المغاربة الذين غادروا البلاد في سن متقدمة، والذين ما زالت ذكرياتهم بالوطن قوية وحية. لكن هناك أيضًا جيل ثانٍ وثالث، وُلد ونشأ في الخارج، ويرى المغرب من خلال حكايات الأهل أو كوجهة سياحية عابرة. بالنسبة لهؤلاء، قد تبدو العودة مجرد “إلزام عائلي” أكثر منها “عودة إلى الجذور”. فهم يتساءلون في قرارة أنفسهم: “أين بيتي حقاً؟ هل أنا سائح أم ابن البلد؟” هذا التناقض يزيد من صعوبة العودة ويجعلها تجربة محفوفة بالتوتر بدلاً من الفرح.

الوجه الآخر للأزمة: “حتى المغاربة يهربون من المغرب”

لا يقتصر المشكل على المغتربين وحدهم. فعدد من التعليقات يكشف أن حتى المغاربة المقيمين في الداخل يفضلون قضاء عطلهم في الخارج، مفضلين وجهات كإسبانيا أو تركيا أو آسيا. الأسباب متشابهة: غلاء الأسعار، ازدحام الطرقات، وسوء جودة بعض الخدمات. هذا الواقع يؤكد أن القضية ليست فقط مرتبطة بالمهاجرين، بل هي نتاج مناخ عام تغير وأصبح أكثر استنزافًا للجيوب وأقل ترحيبًا.

إحصاءات تخفي الحقيقة: هل “مرحبا” كافية؟

رغم أن الأرقام الرسمية تشير إلى عودة أعداد كبيرة، إلا أن الخبراء يحذرون من أن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة التجربة. فهي لا تخبرنا عن مدة الإقامة، أو مدى الرضا، أو طبيعة العطلة. قد يكون المهاجرون عادوا في زيارات خاطفة لصلة الرحم، مفضلين قضاء عطلة حقيقية في مكان آخر. فالتوتر بين ذكرى العودة وبين واقعها الحالي يولد إحساساً عميقاً بالخيبة.

في النهاية، يتحول الصيف من موسم للترابط والفرح إلى فترة من “العقاب العاطفي المزدوج”. فمن جهة، يُنظر إليهم في وطنهم الأم بشك وريبة (“يرون أنفسهم أفضل منا”)، ومن جهة أخرى يُنظر إليهم كفرصة اقتصادية (“لديهم اليورو، فليصرفوه”). هذه الضغوط النفسية المتزايدة قد تدفع بعض المغتربين للتساؤل: هل تستحق العودة كل هذا العناء؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة