عفيف طارق
تواجه سياسة استيراد اللحوم الحمراء والأبقار الحية في المغرب انتقادات لاذعة، بعدما كشفت معطيات ميدانية عن تحول هذا القطاع الاستراتيجي إلى مرتع للمضاربات غير الأخلاقية وممارسات ترتقي إلى مستوى “الجريمة الاقتصادية”.
فبالرغم من التسهيلات الجمركية والدعم المباشر الذي تقدمه الدولة لضمان وفرة العرض وحماية القوة الشرائية، يظل المواطن ضحية لشبكات مستوردين تستغل غياب الرقابة لتكديس أرباح خيالية.
هوامش ربح فاحشة وخرق لدفاتر التحملات
تفيد الأرقام بأن تكلفة استيراد اللحوم مثلا البرازيلية المبردة لا تتجاوز 30 إلى 32 درهماً للكيلوغرام عند وصولها للميناء بالمغرب ومع ذلك تُعرض في الأسواق بأسعار تتخطى 80 إلى 84 درهماً، بهامش ربح يتجاوز في كثير من الأحيان 70% . ولا يقتصر الأمر على اللحوم، بل يمتد للأبقار الحية و”الكبد” الذي يُستورد بأسعار زهيدة (نحو 7,5 دراهم) ليُباع بأسعار مضاعفة عشرات المرات، مما يفرغ التدخل الحكومي من أهدافه الاجتماعية ويحوله إلى “ريع خاص”.
التدليس في الجودة وتضليل المستهلك
تجاوز الجشع سقف الأسعار ليصل إلى التلاعب بالمعايير التقنية والدينية؛ حيث يعمد بعض المستوردين إلى اقتناء لحوم أبقار مسنة منخفضة الجودة وتدبير تسويقها كـ”لحوم عجول صغيرة”. والأخطر من ذلك هو استغلال وسم “حلال” لرفع الأثمان، في حين تشير التقارير إلى عدم مطابقة بعض الشحنات للمواصفات الصارمة المطلوبة، مما يسيء لسمعة التجارة الدولية للمغرب ويضرب الثقة لدى المستهلك المغربي.
سلوكيات “مافيوزية” وإقصاء للشفافية
ويشار عن ممارسات غير مهنية طالت حتى الوسطاء والشركاء في البلدان المعنية، من خلال الالتفاف على الاتفاقات وعقد صفقات سرية تهدف بالأساس إلى إخفاء الفوارق الحقيقية في جودة وأثمان السلع المستوردة. هذا السلوك يهدف إلى تمرير الأنواع الأرخص ثمناً على أنها الأجود، لضمان استمرارية أرباحهم غير المشروعة بعيداً عن أي أعين رقابية.
إن الوضع الراهن يضع الدولة أمام مسؤولية تاريخية؛ فالأمن الغذائي لا يستقيم مع “جشع” فئة محدودة تقتات على الأزمات. إن الانتقال من “التصريحات التطمينية” إلى “الرقابة الصارمة” بات ضرورة ملحة، عبر سن قوانين تجرم الغش وتفرض الشفافية في سلاسل التسعير، لضمان وصول الدعم العمومي إلى مائدة المواطن البسيط، بدلاً من بقائه حبيساً في حسابات “مافيا الاستيراد”.








