بنسليمان بين منطق الترخيص وصرخة الساكنة: محل لبيع الخمور يفجّر جدلاً قرب مسجد رمزي

ميلودة جامعي10 يناير 2026آخر تحديث :
بنسليمان بين منطق الترخيص وصرخة الساكنة: محل لبيع الخمور يفجّر جدلاً قرب مسجد رمزي

توفيق مباشر

عادت مدينة بنسليمان إلى واجهة النقاش العمومي بعد تفجّر موجة من الاستياء في صفوف الساكنة، عقب افتتاح محل لبيع المشروبات الكحولية داخل حي المنزه، وعلى مسافة غير بعيدة من مسجد كبير دشنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطوة اعتبرها كثيرون صادمة ومتناقضة مع هوية الحي وطبيعته الاجتماعية.

الحدث لم يمرّ مرور الكرام، إذ سرعان ما تحوّل إلى قضية رأي محلي، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول كيفية تدبير المجال الحضري، وحدود ملاءمة بعض الأنشطة التجارية داخل الأحياء السكنية، خاصة حين يتعلق الأمر بمحيط عائلي محافظ يضم أطفالاً وتلاميذ وأسرًا تبحث عن السكينة والاستقرار.

وفي خضم هذا الجدل، دخلت التعاضدية المغربية لحماية المال العام والدفاع عن حقوق الإنسان على خط القضية، عبر بيان استنكاري شديد اللهجة، عبّرت فيه عن قلقها البالغ مما وصفته بـ“الاختلال في ترتيب الأولويات”، معتبرة أن الترخيص لمحل لبيع الخمور وسط حي سكني وبالقرب من مؤسسة دينية ذات رمزية وطنية، يمسّ بشكل مباشر بالراحة العامة ويهدد التوازن الاجتماعي والأخلاقي للمنطقة.

وأكدت التعاضدية أن الأحياء السكنية لا ينبغي أن تتحول إلى فضاءات لأنشطة قد تفرز مظاهر الإزعاج الليلي والسلوكيات غير المرغوب فيها، مشددة على أن حماية السكينة العامة ليست ترفًا، بل حق أساسي من حقوق الساكنة التي يفترض أن تكون شريكًا في أي قرار يهم محيطها المعيشي.

وانتقد البيان ما اعتبره غيابًا تامًا لمبدأ المقاربة التشاركية، موضحًا أن الساكنة فوجئت بالأمر الواقع دون أي استشارة أو تواصل مسبق، وهو ما يعكس، بحسب التعاضدية، خللاً في تنزيل مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نصّ عليها الدستور.

وفي مقابل ذلك، عبّرت الهيئة الحقوقية عن استغرابها لما وصفته بـ“المرونة المفرطة” في منح تراخيص لبيع الخمور، في وقت يواجه فيه مستثمرون حقيقيون عراقيل وصعوبات لإحداث مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص شغل حقيقية لشباب المدينة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حارقة حول النموذج التنموي المعتمد محليًا.

هل تتجه بنسليمان نحو مسار تنموي منتج يراهن على الاستثمار وخلق القيمة المضافة؟

أم أنها تنزلق، بصمت، نحو نموذج استهلاكي يعمّق الهشاشة الاجتماعية ولا يقدّم حلولًا فعلية لمعضلة البطالة؟

تساؤلات عززها أيضًا صوت الشارع، حيث عبّر عدد من المواطنين عن رفضهم القاطع لهذا المشروع. ومن بينهم المواطن سعيد، سائق مهني، الذي أكد أن كرامة الساكنة وحقها في العيش داخل محيط آمن وهادئ يجب أن يسمو على أي اعتبارات أخرى، مشددًا على أن السكان ليسوا معنيين بتحمّل تبعات اختيارات لا تخدم مصلحتهم المباشرة.

ورغم تأكيدها على احترام القانون، شددت التعاضدية على أن تطبيق النصوص القانونية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الحكمة وروح المسؤولية ومراعاة خصوصية المجال ونبض الساكنة، خاصة في مدينة تعاني خصاصًا واضحًا في المشاريع الكبرى القادرة على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس.

وبناءً على ذلك، طالبت التعاضدية السلطات المحلية بتقديم توضيحات شفافة حول الأسس القانونية والمجالية التي بُني عليها هذا الترخيص، داعية إلى إعادة النظر فيه بما يحفظ السكينة العامة ويعيد الاعتبار لإرادة المواطنين.

وختم البيان بالتأكيد على أن بنسليمان في حاجة إلى رؤية تنموية حقيقية تضع الإنسان في قلب القرار العمومي، وتصون القيم المجتمعية، بدل قرارات من شأنها تعميق الاحتقان وتقويض الثقة بين المواطن والإدارة، معلنة دعمها لكل الأشكال القانونية والسلمية التي قد تخوضها الساكنة دفاعًا عن حقها في بيئة آمنة وكريمة.

 

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة