بقلم: د. زكرياء بنعمر فارس
في خضم محاولات بعض المنابر الإعلامية الدولية صياغة قراءات متشككة لما تسميه “الحالة المغربية”، يبرز الواقع الميداني كحقيقة صلبة لا تحتاج إلى كثير تفسير. فالمغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، لم يختر طريق الشعارات ولا منطق الترويج الظرفي، بل شق مساراً هادئاً ومتدرجاً قوامه التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في الزمن الطويل. وهكذا، وعلى امتداد 27 عاماً، تحولت المملكة إلى نموذج إصلاحي يجمع بين جذور تاريخية ضاربة في القدم ودينامية تحديث متواصلة جعلتها رقماً صعباً في محيطها الإقليمي والقاري.
ورش مفتوح بلا توقف: التنمية كخيار سيادي
منذ توليه العرش، رسّخ جلالة الملك فلسفة حكم قوامها النزول إلى الميدان وربط المسؤولية بالفعل. فكان أن دخل المغرب مرحلة جديدة اتسمت بإطلاق أوراش كبرى غيرت ملامح الاقتصاد والمجتمع، وأعادت ترتيب موقع البلاد في سلاسل الإنتاج العالمية.
قلاع صناعية ولوجستية: أصبح مركب طنجة المتوسط بوابة استراتيجية تربط إفريقيا بأوروبا وآسيا، فيما رسخ المغرب مكانته كفاعل دولي في صناعات السيارات والطيران.
بنية تحتية للربط الشامل: إطلاق القطار فائق السرعة “البراق” وتوسيع شبكات الطرق والمطارات، بما عزز الاندماج الترابي وربط الجهات ببعضها في أفق تنموي متوازن.
رهان الاستدامة: اختيارات جريئة في مجال الطاقات المتجددة، وسياسة مائية استباقية لمواجهة ندرة الموارد والتغيرات المناخية.
الإنسان أولاً: تنزيل ورش الحماية الاجتماعية الشاملة كتحول اجتماعي عميق يضع كرامة المواطن في صلب السياسات العمومية.
“تمغربيت”: معادلة الاستقرار والتماسك
ما يغيب عن كثير من القراءات الخارجية هو أن الملكية المغربية ليست مجرد مؤسسة حكم، بل إطار جامع للهوية الوطنية. فقد حافظت على توازن فريد بين الشرعية التاريخية والتحديث السياسي، ما جعل علاقة العرش بالشعب علاقة ثقة متبادلة. هذا التلاحم هو ما منح المغرب مناعة خاصة في محيط إقليمي مضطرب، وأتاح له الاستمرار في مسار الإصلاح دون انكسارات.
دبلوماسية المبادرة: الصحراء من الجدل إلى الحسم
في ملف الوحدة الترابية، انتقل المغرب من مرحلة تدبير النزاع إلى منطق المبادرة الواضحة. فقد أعاد جلالة الملك صياغة قواعد الاشتغال الدبلوماسي، مستنداً إلى الشرعية التاريخية والتنمية الميدانية، وهو ما أسفر عن:
تحولات دولية وازنة: اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء، بما حمله من انعكاسات استراتيجية.
تطور المواقف الأوروبية: دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والنهائي.
تنمية الأقاليم الجنوبية: تحويل العيون والداخلة إلى أقطاب اقتصادية صاعدة ومنافذ نحو العمق الإفريقي والأطلسي.
خطاب الإنجاز في مواجهة الضجيج
أمام هذا المسار المتراكم، تبدو بعض حملات التشكيك أقرب إلى محاولات للتقليل من تجربة ناجحة أكثر منها نقداً موضوعياً. غير أن الرد المغربي ظل ثابتاً: مزيد من العمل، ومزيد من البناء، بعيداً عن السجال العقيم. فالدول تُقاس بما تحققه على الأرض، لا بما يُقال عنها في التقارير العابرة.
إن ما يُسمّى أحياناً “اللغز المغربي” ليس سوى ثمرة رؤية ملكية بعيدة المدى، وتعاقد مجتمعي قائم على الثقة والاستمرارية. وبعد 27 عاماً من حكم محمد السادس، يتأكد أن المغرب اختار طريقه بثبات: سيادة في القرار، تنمية في العمق، وحضور وازن في عالم سريع التحول.








