ميلودة جامعي
لم يعد ملف القطاع الصحي بحي القصبة بمراكش مجرد شكاية محلية عابرة، بل تحول إلى سؤال وطني يُطرح من داخل قبة البرلمان، بعد أن قرر المستشار البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، عبد الرحمان وافا، كسر جدار الصمت ونقل معاناة الساكنة إلى أعلى مؤسسة تشريعية في البلاد.
السؤال الكتابي الموجه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية لم يكن تقنيًا بقدر ما كان سياسيًا وأخلاقيًا، إذ سلّط الضوء على حالة الإهمال التي يعيشها المستوصف الصحي “القصبة”، المغلق منذ سنوات، رغم أن مشروع إعادة تهيئته استوفى كل الشروط القانونية والإدارية، وتوفرت له الاعتمادات المالية منذ ما يقارب ست سنوات، دون أن يرى النور.
إن توقف الأشغال في هذا المرفق الحيوي، في غياب أي تبرير رسمي، يطرح علامات استفهام كبرى حول نجاعة التدبير المحلي، ومدى احترام الزمن الإداري لالتزاماته تجاه المواطنين. فكيف لمشروع ممول ومرخّص أن يبقى معلقًا كل هذه المدة؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الجمود الذي ينعكس مباشرة على صحة السكان؟
الأخطر في هذا التعثر، كما أبرز وافا، هو كلفته الاجتماعية والإنسانية. فساكنة حي القصبة، وخاصة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، باتوا مجبرين على قطع مسافات طويلة نحو مستوصف “سيدي عمارة” من أجل فحوصات بسيطة أو وصفات طبية، في مشهد يتناقض كليًا مع شعارات “تقريب الخدمات” و“إصلاح المنظومة الصحية”.
إن غلق مستوصف القرب لا يعني فقط إغلاق بناية، بل يعني عمليًا حرمان فئات هشة من حق دستوري في العلاج، وإثقال كاهلها بمصاريف التنقل ومعاناة الانتظار، في وقت يُفترض فيه أن تكون الرعاية الصحية أساس العدالة الاجتماعية، لا امتيازًا مرتبطًا بالجغرافيا أو القدرة المادية.
ومن هذا المنطلق، دعا المستشار البرلماني إلى اتخاذ تدابير استعجالية ومؤقتة لضمان الحد الأدنى من الخدمات الصحية بالحي، إلى حين استكمال الأشغال، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يُجسد ضعف الحكامة وغياب الحس الاستعجالي في تدبير المرافق العمومية.
إن مساءلة وزارة الصحة اليوم عن مستوصف القصبة ليست استهدافًا إداريا، بل اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في تنزيل وعودها الإصلاحية على أرض الواقع. فالمواطن لا يطالب بالمستحيل، بل بمرفق صحي مبرمج، ممول، وموعود… لكنه مؤجل بلا سبب.
ويبقى السؤال الجوهري الذي ينتظر الرأي العام الجواب عنه: من عطل المشروع؟ ولماذا؟ ومتى سيُفتح مستوصف القصبة في وجه ساكنة طال صبرها؟
أسئلة رفعها عبد الرحمان وافا إلى البرلمان، لكنها في العمق تعكس صوت حيّ بأكمله، يطالب بحقه في العلاج قبل فوات الأوان.








