الجغرافيا.. مكاشفة في عمق التاريخ والسياسة

Mekki Sebai24 يناير 2026آخر تحديث :
الجغرافيا.. مكاشفة في عمق التاريخ والسياسة

الجغرافيا.. مكاشفة في عمق التاريخ والسياسة

 

بقلم د. زكرياء بنعمر فارس

 

حين يواجه السنغال المغرب، فإن اللقاء لا يكتمل بمجرد صافرة حكم على عشب أخضر؛ بل هو لقاء يمتد في “الزمن الطويل” وفي دهاليز التاريخ المشترك. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة التي توصف غالباً بالروحية والنموذجية، تحتاج اليوم إلى قراءة تتجاوز العاطفة، لتمس جوهر الحقائق التاريخية والتحولات الجيوسياسية.

 

ثنائية “الكلمة” والقيادة: إرث الحسن الثاني وسنغور

 

لقد آمن الرئيس الراحل “ليوبولد سيدار سنغور” بأن حل أي معضلة يبدأ بالعودة إلى جذورها التاريخية. وفي هذا السياق، لا يمكن ذكر سنغور دون استحضار جلالة الملك الراحل الحسن الثاني؛ عملاقان فكريان شكلا وجدان إفريقيا المعاصرة.

كان الحسن الثاني يردد فلسفة عميقة قوامها: «في البدء كانت الكلمة.. ومن يملك الكلمة يملك التواصل، ومن يملك التواصل يملك الجماعة، ومن يملك الجماعة يصل إلى حالة الاتحاد والحلول (Communion)». هذه “الكلمة” هي التي نسجت لغة مشتركة بين الرباط ودكار، حولت العلاقات من مجرد بروتوكول دبلوماسي إلى صلة روحية تكاد تكون عائلية.

 

مكاشفة تاريخية: هل هي علاقة قديمة أم “ما بعد استعمارية”؟

 

بعيداً عن الخطاب الرومانسي، تشير القراءة النقدية للتاريخ إلى أن الدولة الوطنية الحديثة في كلا البلدين ورثت تركة استعمارية حددت ملامح العلاقة الرسمية. لكن، إذا عدنا إلى ما قبل “سايكس بيكو” الإفريقية، نجد أن التداخل كان أعمق؛ حيث كانت مناطق من السنغال تمثل امتداداً جغرافياً وروحيًا لإمبراطورية مراكش، وهو ما يفسر هذا الانصهار الصوفي والاجتماعي الفريد.

 

اختبار “الصحراء المغربية”: بين الأخوة والمواقف المتأخرة

 

هنا تبرز النقطة الأكثر إثارة للجدل في التحليل السياسي: إذا كان السنغال بلداً “شقيقاً” بالمعنى الروحي والتاريخي، فلماذا تأخر الاعتراف الرسمي بمغربية الصحراء (عبر افتتاح قنصلية في الداخلة) حتى عام 2021؟

يُطرح التساؤل بجرأة: ألم يكن حرياً بدولة تجمعنا بها “وحدة الكلمة والروح” أن تعلن هذا الموقف غداة المسيرة الخضراء عام 1976؟ إن هذا التأخر، رغم مبرراته الدبلوماسية، يكشف عن هوة كانت قائمة بين “الوجدان الشعبي” و”القرار السياسي الدولي”. ومع ذلك، يثبت المغرب مجدداً أنه الطرف الذي يمتلك رؤية “تصفير النزاعات” وتجاوز عثرات الماضي من أجل بناء مستقبل إفريقي مشترك.

 

المغرب: مهندس المصالحة الإفريقية

 

لا يسعى المغرب اليوم لتبرير الماضي، بل لفرض واقع جديد. الرؤية الملكية الحالية تتجاوز العتاب لتؤسس لشراكة “رابح-رابح”. إن إصرار الرباط على تمتين الروابط مع دكار وغيرها من العواصم الإفريقية، نابع من إيمان بأن القارة لن تنهض إلا بتجاوز الخلافات الحدودية والمواقف الضبابية التي خلفها الاستعمار.

 

إن علاقة المغرب بالسنغال هي مزيج معقد من الإرث الإمبراطوري القديم، والواقعية السياسية الحديثة. ورغم أن التاريخ سجل عثرات في المواقف السياسية، إلا أن “الكلمة” التي تحدث عنها الحسن الثاني تظل هي الجسر الذي يعبر عليه البلدان نحو أفق أرحب، حيث تتحول الجغرافيا إلى فضاء للقيم المشتركة، وتتحول السياسة إلى أداة لخدمة الشعوب لا لتقسيمها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة