بقلم: آمال بنعبود
لم تأتِ تجربة غيثة مزور في العمل الحكومي عبر المسارات السياسية التقليدية أو عبر التدرج الحزبي المعتاد، بل جاءت امتداداً طبيعياً لمسار علمي وأكاديمي تميز بالاجتهاد والبحث والابتكار. فهذه الباحثة المتخصصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة انتقلت من فضاءات المختبرات الجامعية إلى دوائر صنع القرار، حاملة معها رؤية علمية تهدف إلى جعل الرقمنة رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب.
تكوّنت شخصية مزور الأكاديمية داخل مؤسسات علمية مرموقة، حيث تابعت دراستها في المدرسة المتعددة التقنيات الفيدرالية بلوزان بسويسرا، إحدى أبرز المؤسسات العالمية في مجالات الهندسة والتكنولوجيا. كما حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كارنيجي ميلون بالولايات المتحدة، وهي جامعة معروفة بريادتها في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
هذا التكوين الصارم منحها أدوات تحليل علمية دقيقة تقوم على منهجية البحث التجريبي والاعتماد على البيانات، وهي المقاربة التي تحاول نقلها إلى تدبير السياسات العمومية المرتبطة بالتحول الرقمي.
قبل التحاقها بالعمل الحكومي، اشتغلت غيثة مزور أستاذة باحثة في الجامعة الدولية بالرباط، حيث ركزت أبحاثها على مجالات تتقاطع فيها التكنولوجيا مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن بين أبرز القضايا التي اهتمت بها:
تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي لدعم الابتكار الاقتصادي.
تعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية الرقمية.
توظيف تحليل البيانات في تحسين جودة السياسات العمومية.
دراسة تأثير التحول الرقمي على سوق الشغل وخلق فرص عمل جديدة.
هذا التوجه يعكس قناعة مفادها أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تبقى حبيسة المختبرات الجامعية، بل يجب أن تتحول إلى أدوات عملية تخدم المجتمع وتدعم مسارات التنمية.
مع توليها مسؤولية قطاع الانتقال الرقمي، تعمل مزور على دفع المغرب نحو مرحلة جديدة من تحديث الإدارة وتعزيز الاقتصاد الرقمي. وتشمل هذه الجهود تطوير الخدمات الرقمية الموجهة للمواطنين، وتشجيع الابتكار التكنولوجي، وتهيئة بيئة داعمة للشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
كما يندرج هذا المسار ضمن الرؤية الاستراتيجية التي يسعى المغرب من خلالها إلى تعزيز موقعه في الاقتصاد الرقمي العالمي، مع التركيز على بناء منظومة تكنولوجية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم.
تجسد تجربة غيثة مزور نموذجاً جديداً من المسؤولين الذين يجمعون بين المعرفة الأكاديمية والخبرة التطبيقية. فحضور الكفاءات العلمية داخل مؤسسات القرار يعكس توجهاً متزايداً نحو الاعتماد على المعرفة والابتكار كرافعة أساسية لمواجهة تحديات التنمية.
وبين عالم الخوارزميات وتعقيدات السياسات العمومية، تواصل مزور محاولة تحويل التكنولوجيا إلى أداة عملية لخدمة المواطن، في مسار يعكس طموح المغرب إلى بناء مستقبل رقمي أكثر تنافسية وانفتاحاً.








