واشنطن تعيد رسم المعادلات: مقاربة استراتيجية جديدة للصحراء المغربية
بقلم الدكتور زكرياء بنعمر فارس
في الوقت الذي يمر فيه العالم بمنعطفات جيوسياسية حادة، بدأت ملامح “حركية دبلوماسية” تقودها الولايات المتحدة الأمريكية تلوح في الأفق، متجاوزة القوالب التقليدية لتدبير ملف الصحراء المغربية. هذا التحرك، الذي يصفه مراقبون بـ “تغيير قواعد اللعبة”، يأتي ليكرس واقعاً جديداً يربط استقرار شمال إفريقيا والساحل بالسيادة الكاملة للمغرب على أقاليمه الجنوبية.
دينامية العواصم: من مدريد إلى واشنطن
كشفت مصادر دبلوماسية متطابقة أن الغرف المغلقة في واشنطن وعواصم أوروبية وازنة، وفي مقدمتها مدريد، احتضنت مشاورات رفيعة المستوى تهدف إلى كسر “الجمود المزمن” في الملف. هذه اللقاءات، التي اتسمت بالسرية والفعالية، لا تسعى فقط لتنشيط العملية السياسية، بل تبحث عن حلول مبتكرة وجريئة تتجاوز لغة “إدارة النزاع” إلى منطق “الحسم النهائي”.
العمق الاستراتيجي والعلاقات التاريخية
لا يمكن قراءة هذا الاندفاع الأمريكي بمعزل عن العلاقات السجالية والعريقة التي تربط الرباط بواشنطن؛ فالمغرب، كأول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة، يظل اليوم الشريك الاستراتيجي الأكثر موثوقية في القارة الإفريقية.
ويرى الخبراء أن واشنطن تدرك جيداً أن أمن منطقة الساحل والصحراء، المهددة بتمدد الجماعات المتطرفة والتوترات العسكرية (على غرار تداعيات الأزمة الأوكرانية)، يمر حتماً عبر مغرب قوي ومستقر. ومن هنا، لم تعد الصحراء مجرد ملف حدودي، بل أصبحت “صمام أمان” للأمن القومي الإقليمي والدولي في غرب المتوسط.
المبادرة المغربية: القاعدة الوحيدة للحل
تستند هذه التحركات الأمريكية المتسارعة إلى مرجعيات قانونية وسياسية صلبة، يتصدرها القرار الأممي 2797، الذي يعزز من سمو مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب عام 2007. واشنطن، ومن خلفها المنتظم الدولي، باتت تقتنع يقيناً بأن هذه المبادرة هي الأساس الوحيد والواقعي لأي حل سياسي نهائي، بعيداً عن الأوهام المتجاوزة التي لا تخدم سوى إطالة أمد النزاع.
صيغة “الموائد المستديرة” والمسؤولية الإقليمية
تتمسك المقاربة الجديدة بضرورة العودة إلى صيغة “الطاولات المستديرة”، بمشاركة الأطراف الأربعة (المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو). هذا الإصرار الأمريكي يضع الطرف الآخر أمام مسؤوليته التاريخية، ويؤكد أن حل النزاع يتطلب إرادة سياسية حقيقية من “الطرف الرئيسي” في النزاع الإقليمي، للخروج من منطق العرقلة نحو منطق البناء والتنمية المشتركة.
من المراقبة إلى القيادة
إن التحول النوعي في الموقف الأمريكي يثبت أن واشنطن انتقلت من دور “المراقب المهتم” إلى دور “الموجه الاستراتيجي”. وبذلك، فإن إعادة رسم معالم الملف للأعوام القادمة أصبحت مرتبطة برؤية مغربية أصيلة، مدعومة بقوة عظمى ترى في الرباط الركيزة الأساسية لاستقرار حوض المتوسط ومستقبل القارة الإفريقية.








