بقلم: د. وديع رندلي – طبيب نفسي
على غرار مصطلح “المنصورة” (Mansplaining) الذي يصف استعلاء الرجل في شرح تجارب المرأة لها، يبرز في فضائنا العمومي مفهوم “البلادسبلاينينغ” (Bledsplaining). إنه التعبير الشتاتي عن نزعة استعلائية، مؤسساتية أو سياسية في الغالب، تمنح نفسها الحق في “تلقين” مغاربة العالم طبيعة تجاربهم، وكيفية صياغة مشاعرهم، والطريقة “المثلى” لربط صلتهم بالوطن. ظاهرة تنهل من فرضية مغلوطة مفادها أن “المركز” يمتلك قدرة على فهم “الهامش” أكثر مما يفهم الهامش نفسه.
وجهان لعملة الإقصاء: بين الغطرسة والبيروقراطية الصامتة
يتجلى هذا السلوك في صورتين متباينتين؛ الأولى مباشرة وفجة، تتسم بالغطرسة وتعمل على تجريد “العائد” من أي مشروعية أو اعتراف فور وطئه أرض الوطن. أما الثانية، فهي الأشد دهاءً لكونها تتلحف برداء اللياقة البيروقراطية؛ فهي تحتفي بالجالية في الخطابات الرنانة، لكنها تقصيها فعلياً إلى “الصفوف الخلفية”. هي منظومة لا تقول “لا” أبداً، بل تكتفي بالصمت وقطع قنوات التواصل، وتطلق على هذا التجاهل الممنهج اسم “الصبر”.
إننا لا نتحدث هنا عن زلات فردية، بل عن بنية هيكلية وثقافة متجذرة في التعاطي مع مغاربة العالم. إن تشخيص الداء لا يكمن في استبدال الوجوه، بل في تفكيك آليات هذا “المنعكس الشرطي” الذي يحكم العلاقة المؤسساتية بمغاربة العالم.
“السيادة الإدراكية” في قاعة الانتظار
لقد عاينتُ هذا النسق بوضوح خلال ندوة نُظمت في “الجامعة الدولية بالرباط” (أكتوبر 2025) حول “تعبئة الكفاءات”. فرغم الوعود التي حملتها الدعوات، تحول المشهد بفعل البروتوكول المبالغ فيه والمقاعد المحجوزة مسبقاً – التي غاب عنها خبراء الجالية – إلى ندوة “عن” مغاربة العالم، ولكن “بدونهم” على المنصة.
في مثل هذه المحافل، تُرفع شعارات رنانة مثل “السيادة الإدراكية”، وهي عبارة غدت “كلمة سر” في المذكرات الوزارية، لكنها تبدو جوفاء تماماً حين تجد “العقول المعنية” بها نفسها جالسة في الممرات الجانبية، بعيدة عن مركز القرار والنقاش.
اللغة.. ذاك الحاجز غير المرئي
لا يتوقف “البلادسبلاينينغ” عند حدود الممارسة، بل يمتد إلى الرموز اللغوية. فخلال الندوة ذاتها، قُدّم عرض تقني حول ندرة المياه باللغة العربية الفصحى حصراً، وهي لغة لم يعد الكثير من الكفاءات الشابة في المهجر يتقنون ناصيتها. لم يستغرب أحد من هذا “النشاز” التواصلي.
هنا تكتمل آلة الإقصاء: حين لا تُستخدم “الدارجة” للتحقير، تُستخدم “العربية الفصحى” للإقصاء والتغييب. في الحالة الأولى نُجرح، وفي الثانية نُمحى. وفي الحالتين، يتم التحدث “عن” الجالية بلغة تعزلها عن سياقها.
كلفة الهدر الإنساني: من العاطفة إلى الحوار الوطني
منذ عودتي، التقيتُ أطباءً ومهندسين وفنانين يتقاسمون الإعياء ذاته: إعياء الاضطرار الدائم لتبرير خياراتهم، ومشروعيتهم، ومدى ارتباطهم بالوطن. الكثير منهم يختار الرحيل مجدداً، ليس لغياب الفرص، بل لغياب “الإنصات”.
إن “البلادسبلاينينغ” ليس مجرد مسألة “نبرة صوت”، بل هو هدر نسقي لراس المال البشري. فهو يرتكز على خلط عميق يظن أن “حب الوطن” يحتاج إلى “تصديق” أو “اعتماد” من لدن جهات لم تُضطر يوماً لإثباته.
إن المؤشرات الأخيرة في النقاش العمومي تعكس استعجالية هذا التشخيص. فأن نسمع خطاباً مؤسساتياً يوحي للعائدين بـ “أنه كان من الأفضل لو بقوا هناك”، ليس مجرد زلة لسان، بل هو التعبير الصريح عن نظام يأبى التغيير.
إن المغرب لا ينقصه الحب تجاه أبنائه في الخارج، بل تنقصه “الآذان” الصاغية. ومن أجل كسر هذا المونولوج المؤسساتي وبناء ثقافة “التبادلية”، دعوتُ وزير الصناعة، السيد رياض مزور، للنقاش حول هذه القضايا. إن تفاعله الإيجابي يظل إشارة مشجعة لفتح ملف “منهجية” عودة الكفاءات.
في اليوم الذي سيتحدث فيه مغاربة العالم عن أنفسهم، ليس من الصفوف الخلفية بل من فوق المنصة، حينها فقط لن نكون بصدد “ندوة”، بل سنكون بصدد حوار وطني حقيقي.








