بقلم: مسار عبد العالي
فتحت واقعة مغادرة المنتخب السنغالي لأرضية الملعب خلال نهائي كأس أمم إفريقيا وما تلاها من تداعيات، فصلاً جديداً من فصول السجال القانوني في الأوساط الرياضية القارية والدولية. ولم تكن الواقعة مجرد حدث عابر في مباراة نهائية، بل تحولت إلى قضية مبدئية تضع النصوص التأديبية على محك الاختبار، وتطرح تساؤلات جوهرية حول حدود صلاحيات الهيئات القضائية الرياضية، وعلى رأسها محكمة التحكيم الرياضية (CAS)، في مواجهة صمت النصوص أو غموضها.
تجليات الواقعة: التكييف القانوني للفعل
أجمع المتابعون والتقارير الرسمية على أن المنتخب السنغالي غادر أرضية الميدان متوجهاً إلى مستودع الملابس دون إذن مسبق من حكم اللقاء، مخلفاً وراءه ثلاثة لاعبين فقط. هذا السلوك يضعنا مباشرة أمام مقتضيات المادة 82 من لوائح الانضباط، التي تعد المرجع القانوني في توصيف حالات الانسحاب.
تنص المادة المذكورة صراحة على معاقبة الفريق الذي ينسحب من المباراة، إلا أنها تفتح باباً واسعاً للجدل بسبب “سكوتها” عن التمييز بين نوعين من الانسحاب:
* الانسحاب النهائي: وهو التوقف الكلي عن اللعب مع نية عدم العودة.
* الانسحاب المؤقت: وهو مغادرة الميدان لفترة زمنية محددة (لأسباب احتجاجية أو ظرفية) مع إمكانية استئناف اللعب.
صرامة النص: المطلق يجري على إطلاقه
من منظور قانوني صرف، يرى فريق من الخبراء أن المادة 82 جاءت بصياغة عامة ومطلقة. ووفقاً للقاعدة الأصولية المستقرة التي تقضي بأن “المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد ما يقيده”، فإن أي مغادرة غير مرخص بها لأرضية الملعب تعد انسحاباً مكتمل الأركان القانونية، بغض النظر عن المدة الزمنية أو النوايا الكامنة وراء هذا الفعل.
”إن حماية انتظام المسابقات الرياضية وهيبة المؤسسة المنظمة تقتضي تطبيق العقوبة بشكل جازم، انسجاماً مع مبدأ الشرعية والانضباط الذي لا يقبل التجزئة.”
في هذا السياق، يعتبر تطبيق العقوبة إجراءً سليماً يتماشى مع منطوق النص، إذ ليس من مشمولات الجهة المطبقة للقانون البحث في “النوايا” ما دام الركن المادي للمخالفة (مغادرة الميدان) قد تحقق.
معضلة “الصمت التشريعي” وحدود الاجتهاد
على الطرف الآخر، يبرز تساؤل مشروع حول “عجز” النص عن استيعاب المتغيرات الظرفية. فهل يصح مساواة فريق غادر الميدان احتجاجاً لدقائق ثم عاد، بفريق أعلن انسحابه الكلي؟
هذا النقص في الصياغة التشريعية قد يغري البعض بالبحث عن “تأويلات مرنة”، إلا أن القواعد القانونية الرصينة تملي أن العيب إذا كان في النص ذاته، فلا يمكن علاجه عبر إساءة تطبيقه. فالصمت التشريعي هنا لا يمنح بالضرورة سلطة تقديرية للهيئات القضائية لإعادة تكييف الفعل خارج ما هو منصوص عليه، لأن ذلك قد يؤدي إلى “ميوعة قانونية” تضرب مبدأ الأمن القانوني في الصميم.
محكمة (TAS) جهة قضاء لا سلطة تشريع
هنا يبرز الدور المحوري لمحكمة التحكيم الرياضية (TAS) فالمحكمة، بطبيعتها القانونية، هي جهة قضاء تحكيمي وليست سلطة تشريعية. يقتصر اختصاصها الأصيل على مراقبة حسن تطبيق القواعد القائمة والتحقق من مشروعية القرارات المتخذة في ضوئها.
إن محاولة المحكمة تأويل المادة 82 بحيث تخرج “الانسحاب المؤقت” من نطاق العقوبة قد يعتبر تجاوزاً خطيراً لاختصاصاتها، وقفزاً فوق سلطة المشرع الرياضي. فالمحكمة ملزمة بالنصوص كما هي، وليس كما يجب أن تكون. وإذا كان النص قاصراً، فإن مسؤولية تصحيحه تقع على عاتق الهيئة المشرعة (الاتحاد القاري) عبر التعديلات القانونية، وليس عبر “الاجتهاد القضائي” الذي قد يفرغ النص من محتواه الزجري.
وضوح القاعدة حجر الزاوية
إن قضية الانسحاب من الميدان تؤكد مرة أخرى أن الأمن القانوني في المجال الرياضي يظل رهيناً بدقة الصياغة ووضوح القاعدة. فالتوازن بين صرامة النص ومرونة التطبيق لا يمكن تحقيقه إلا عبر نصوص تشريعية تفصيلية لا تترك مجالاً للبس.
ختاماً، يبقى احترام التخصصات بين الهيئات التشريعية والقضائية هو الضمانة الوحيدة لتحقيق عدالة رياضية ناجزة، حيث يشرع المشرع بوضوح، ويطبق القاضي بصرامة، بعيداً عن متاهات التأويل التي قد تضر بمصداقية المنافسات.









