بقلم ميلودة جامعي
في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في تدبير الشأن المحلي، شهدت مدينة بوزنيقة عملية هدم واسعة استهدفت عدداً من الشقق السكنية، في خطوة اعتبرها البعض تصحيحاً متأخراً لمسار عمراني مختل، فيما رآها آخرون مجرد حلقة أخيرة في سلسلة من التجاوزات التي ظلت طي الكتمان لسنوات.
العملية، التي أشرفت عليها السلطات الإقليمية بـإقليم بنسليمان، جاءت بعد تقارير ومعاينات ميدانية كشفت عن خروقات في مساطر التشييد، من بينها البناء دون احترام الضوابط القانونية أو تجاوز التصاميم المرخصة. غير أن ما أثار الجدل أكثر من الهدم ذاته، هو السؤال الكبير: كيف وصلت هذه المشاريع إلى مراحل متقدمة دون أن تتحرك آليات المراقبة في حينها؟
في خضم هذا الجدل، دخلت المنظمة الحقوقية للتعاضدية المغربية لحماية المال العام والدفاع عن حقوق الإنسان على خط القضية، عبر بيان استنكاري شديد اللهجة، عبّرت فيه عن قلقها العميق من طريقة تدبير هذا الملف، معتبرة أن ما وقع لا يمكن اختزاله في مجرد تطبيق للقانون، بل يكشف عن اختلالات بنيوية في منظومة التعمير.
البيان الحقوقي لم يكتفِ بالتنديد، بل طرح تساؤلات محرجة تتردد بقوة في الشارع المحلي:
من منح التراخيص؟ ومن تغاضى عن المخالفات؟ وأين كانت أجهزة المراقبة قبل أن تصل الجرافات إلى الميدان؟
هذه الأسئلة، التي لم تجد بعد أجوبة رسمية واضحة، تعكس فجوة في الثقة بين المواطن والمؤسسات، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع حيوي كالتعمير، الذي يرتبط مباشرة بحياة الناس واستثماراتهم ومستقبلهم.
وأكدت المنظمة في بيانها على ضرورة فتح تحقيق عاجل ونزيه، لا يقتصر على المنعش العقاري المعني، بل يشمل كل الأطراف التي قد تكون ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تمرير هذه الخروقات. كما شددت على أهمية تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره حجر الزاوية في بناء دولة القانون.
وفي جانب لا يقل أهمية، دعت الهيئة الحقوقية إلى حماية حقوق المتضررين، خاصة أولئك الذين اقتنوا هذه الشقق بحسن نية، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام واقع صادم، يدفعون فيه ثمن اختلالات لا يد لهم فيها.
القضية، في عمقها، تتجاوز حدود الهدم، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بمدى فعالية آليات المراقبة والتتبع داخل قطاع التعمير. فالهدم، رغم ضرورته في بعض الحالات، يظل إجراءً متأخراً، لا يعوض غياب الرقابة المسبقة ولا يعيد الثقة المفقودة.
وفي هذا السياق، طالبت المنظمة بإعادة النظر في منظومة المراقبة داخل بوزنيقة وعموم إقليم بنسليمان، بما يضمن الوقاية من مثل هذه الاختلالات مستقبلاً، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الضرر.
اليوم، يقف ملف بوزنيقة عند مفترق طرق:
إما أن يكون نقطة انطلاق نحو كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء،
أو أن يتحول إلى مجرد واقعة عابرة تُطوى دون مساءلة حقيقية.
وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة ثقة المواطن، عبر الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان ألا تتحول مشاريع السكن، التي يفترض أن تكون عنواناً للاستقرار، إلى كوابيس تنتهي تحت عجلات الجرافات.

الإمضاء:
توفيق مباشر المنسق الجهوي لجهة الدار البيضاء – سطات
والناطق الرسمي باسم المنظمة الحقوقية للتعاضدية المغربية لحماية المال العام والدفاع عن حقوق الإنسان









