الدكتور زكرياء بنعمر فارس يكتب” حين لايكون الهدف ان “نعرف “بل ان “نشتغل ” شغفا.

ميلودة جامعي31 مايو 2026آخر تحديث :
الدكتور زكرياء بنعمر فارس يكتب” حين لايكون الهدف ان “نعرف “بل ان “نشتغل ” شغفا.

زكريا بنعمر فارس

في زمن تتسارع فيه وتيرة إنتاج المعلومات وتداولها، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: هل يكفي أن ننقل المعرفة حتى نعتبر أننا نجحنا في أداء رسالتنا؟ أم أن القيمة الحقيقية تكمن في الأثر الذي تتركه تلك المعرفة داخل الإنسان؟

يرى العديد من المفكرين والباحثين في علوم التربية أن التناقل الحقيقي لا يُقاس بكمية المعلومات التي يتم تمريرها، بل بمدى قدرة تلك المعلومات على إيقاظ الفضول وتحفيز الرغبة في الاكتشاف. فالمتعلم ليس وعاءً فارغاً يُملأ بالمحتوى، بل طاقة كامنة تبحث عمن يوقظها ويمنحها فرصة الانطلاق.

وفي هذا السياق، تبرز مقولة الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار التي تؤكد أن الأستاذ العظيم ليس من يمتلك أكبر قدر من المعرفة، وإنما من يستطيع أن يشعل الحماس في نفوس الآخرين. فالتعليم في جوهره ليس عملية تلقين جامدة، بل تجربة إنسانية قادرة على صناعة التحول وإحداث التغيير.

لقد أثبتت التجارب أن الأشخاص الذين يتركون أثراً عميقاً في حياة الآخرين ليسوا بالضرورة أولئك الذين أغرقوهم بالمعلومات، بل الذين منحوا لهم الدافع للبحث بأنفسهم. هؤلاء لا يصنعون نسخاً مكررة منهم، بل يساهمون في بناء شخصيات مستقلة قادرة على التفكير والابتكار وصناعة مساراتها الخاصة.

ومن هنا يتحول مفهوم التناقل من مجرد نقل للمعرفة إلى عملية تمكين حقيقية، يكون هدفها خلق شغف دائم بالتعلم. فالمعلم أو المربي أو الملهم لا يفرض طريقاً واحداً، بل يفتح أبواباً متعددة ويترك للآخرين حرية اختيار الوجهة التي تناسبهم.

وتتجاوز هذه الفلسفة حدود المؤسسات التعليمية لتشمل مختلف مجالات الحياة. فكل إنسان يمكن أن يكون ناقلاً للأثر الإيجابي، سواء داخل الأسرة أو المجتمع أو فضاءات العمل. وحين ينجح في ذلك، فإنه لا يغير الآخرين فحسب، بل يعيد اكتشاف ذاته أيضاً من خلال ما يراه من نجاحات وتجارب جديدة ولّدتها تلك الشرارة الأولى.

إن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس كماً من المعلومات أو الدروس، بل شعلة تستمر في الانتقال من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى جيل. فالمعرفة التي تُفرض قد تُنسى مع الوقت، أما المعرفة التي تولد من الشغف والاقتناع فإنها تتحول إلى قوة دافعة قادرة على صناعة المستقبل.

وفي النهاية، يبقى النجاح الحقيقي لكل معلم ومربٍ وملهم في أن يزرع داخل الآخرين الرغبة في التعلم، لا أن يكتفي بتلقينهم ما يعرفه. فالأفكار العظيمة لا تعيش لأنها نُقلت فقط، بل لأنها أوقدت في النفوس رغبة دائمة في البحث والاكتشاف.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة