الدكتور زكرياء بنعمر فارس
تواجه مراكز الاتصال وقطاع ترحيل الخدمات (Offshoring) في المغرب موجة من القلق والترقب، عقب العد التنازلي لدخول قانون فرنسي جديد حيز التنفيذ، يحظر بشكل تام “الدمرشة الهاتفي” أو التسويق الهاتفي غير المرغوب فيه. هذا القرار الذي استقبلته الأوساط الاقتصادية بكثير من التوجس، يُتوقع أن يُحدث “زلزالاً اجتماعيًا واقتصاديًا” داخل واحدة من أكثر الأنشطة تشغيلًا للشباب في المملكة.
تغيير جذري في قواعد اللعبة: من “الرفض” إلى “الموافقة المسبقة”
بداية من 11 أغسطس 2026، ستدخل فرنسا عهدًا جديدًا في تنظيم المعاملات التجارية عبر الهاتف، حيث ستُحظر تمامًا أي مكالمات تسويقية موجهة للمواطنين الفرنسييين ما لم يعبروا مسبقًا وبشكل صريح عن موافقتهم على تلقيها.
هذا التعديل التشريعي الجذري، الذي أقره البرلمان الفرنسي بصفة نهائية في مايو 2025، يأتي في إطار حزمة قوانين تهدف إلى حماية خصوصية المستهلكين والحد من الممارسات الاحتيالية والإزعاج المستمر الذي يعاني منه المواطنون.
ويمثل القانون الانتقال من نظام “خيار الرفض الذي تجسده منصة الشهيرة (والتي كانت تمنع الاتصال بغير المسجلين فيها فقط) — إلى نظام أكثر صرامة وهو “خيار الموافقة المسبقة” . وبموجب النظام الجديد، يصبح الأصل هو المنع، والاستثناء هو الاتصال المبني على ضوء أخضر مسبق من العميل.
المغرب في عين العاصفة: آلاف الوظائف مهددة بالزوال
نظرًا لكون فرنسا السوق التقليدي الأول لمراكز الاتصال المستقرة في المغرب، فإن ارتدادات هذا القرار ستكون مباشرة وقاسية. وتُشير التقديرات الأولية إلى أن ما بين 40,000 و 50,000 منصب شغل مباشر قد تتأثر بشكل كبير أو تختفي تمامًا نتيجة هذا الحظر، لاسيما في الشق المتعلق بـ”التنقيب التجاري البارد”.
ويُعد قطاع مراكز الاتصال في المغرب أحد الركائز الأساسية لامتصاص بطالة حاملي الشهادات والشباب المتحدثين باللغة الفرنسية، حيث يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويساهم بقوة في جلب العملة الصعبة.
تحدي التحول الرقمي وإعادة التوجيه
يرى خبراء اقتصاديون أن هذا القرار، رغم تداعياته السلبية القريبة، قد يشكل قوة دفع للقطاع بالمغرب لتسريع وتيرة التحول والارتقاء بالقيمة المضافة. ولمواجهة هذا “الزلزال الخفي”، بات لزامًا على الشركات العاملة في هذا المجال:
تنويع الأسواق: عدم الاعتماد الكلي على السوق الفرنسي، والانفتاح على أسواق ناطقة بلغات أخرى (الإنجليزية والإسبانية).
تطوير نوعية الخدمات: الانتقال من نموذج المكالمات الصادرة العشوائية إلى خدمات الدعم الفني، وخدمة العملاء بعد البيع، وإدارة البيانات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي.
الاستثمار في التكوين: إعادة تأهيل مهارات آلاف العاملين لمواكبة المهن الرقمية الجديدة عوض الاستمرار في نموذج “التسويق الهاتفي التقليدي”.
تترقب الأوساط المهنية بالمغرب بحذر شديد مطلع شهر أغسطس المقبل، في وقت تطالب فيه بعض الهيئات المهنية بضرورة تدخل حكومي لدعم كفاءات القطاع ومصاحبة الشركات المتضررة لتفادي تسريحات جماعية قد تؤثر على السلم الاجتماعي والاقتصادي في الحواضر الكبرى ك الدار البيضاء، الرباط، وطنجة








