بين دهاء “طوكيو 1964” ورهان “المغرب 2030”: كيف ننتقل من “مظهرية الاستعراض” إلى “ثورة السلوك المدني”؟

Mekki Sebai13 يونيو 2026آخر تحديث :
بين دهاء “طوكيو 1964” ورهان “المغرب 2030”: كيف ننتقل من “مظهرية الاستعراض” إلى “ثورة السلوك المدني”؟

بين دهاء “طوكيو 1964” ورهان “المغرب 2030”: كيف ننتقل من “مظهرية الاستعراض” إلى “ثورة السلوك المدني”؟

 

بقلم الأستاذ عمر الفيلالي

 

دقت الهيئة الاستشارية العليا للمملكة، عبر تقرير رسمي أقرته بالإجماع نهاية عام 2025، ناقوس الخطر بشأن تدهور السلوك المدني بالمغرب. هذا التشخيص الصادم لا يستدعي البكاء على الأطلال، بل يفرض صياغة خارطة طريق عملية لإنقاذ الفضاء العام، مستلهمين تجارب دولية غيرت مجرى تاريخها الاجتماعي.

 

الدرس الياباني: العِبرة بالتحول الداخلي

 

في أوائل ستينيات القرن الماضي، كانت طوكيو تعيش فوضى عارمة (بصق في الشوارع، نفايات عشوائية، وجنون مروري). لكن أولمبياد 1964 شكلت نقطة تحول تاريخية عبر حملة “طوكيو النظيفة جداً”. السر الياباني لم يكن مجرد “تجميل للواجهات” لإبهار السياح، بل كان تحولاً سلوكياً بنيوياً. واليوم، والمغرب على أعتاب مونديال 2030، الدرس واضح: يجب أن نكف عن منطق “التزيّن للأجنبي” وننتقل إلى “إصلاح ما بيننا وبين أنفسنا”.

 

راديوغرافيا الفوضى: انفصام السلوك الفردي والجمعي

 

يكشف الواقع عن “انفصام معرفي” حاد لدى المواطن المغربي؛ إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن 85% من المستجوبين يمنحون أنفسهم نقطة “ممتازة إلى متوسطة” في المواطنة، بينما يصفون سلوك المجموع بـ “الضعيف والهش”! (بمعنى: السلوك اللامدني هو دائماً خطأ الآخرين).

وتترجم الأرقام المؤسساتية الرسمية (2021-2024) هذا التدهور في نقطتين رئيستين:

الانفلات المروري والجنائي: تسجيل ارتفاع بـ 15.2% في حوادث السير، وقفزة نوعية في قضايا العنف الحضري عاينتها مصالح الأمن (من حوالي 46 ألف حالة إلى أزيد من 60 ألف حالة خلال سنة واحدة)، فضلاً عن مقاطعة 65% من العائلات للملاعب بسبب شغب الملاعب.

نظرية “النافذة المكسورة”: غياب الصيانة الفورية للمرافق (إنارة معطلة، تخريب الإدارة) يرسل إشارات ضمنية بالإفلات من العقاب، مما يحول السلوك اللامدني البسيط إلى جريمة منظمة (أزيد من 3200 اعتداء بالسلاح الأبيض سجلتها مصالح الدرك الملكي).

 

المعادلة المطلوبة: وعي، حزم، وبنية تحتية

 

لا يطالب الشارع المغربي بحلول أحادية، بل برؤية متكاملة تتوزع أولوياتها كالتالي:

1. التحسيس والردع (70% و63%): زاوجية لا تنفصم بين الوقاية وتطبيق القانون.

2. قدوة المؤسسات (47%): اشتراط نزاهة الإدارة وأعوانها لشرعنة الامتثال.

3. كرامة المرفق (36%): تحديث البنية التحتية لتجفيف منابع التوتر (خاصة مع نمو حظيرة السيارات بـ 25% خلال عقد).

خارطة طريق من 4 ركائز لإنقاذ الفضاء العام

بما أن بروفايل المخالفين (90% ذكور، شباب في وضعية هشاشة) يسقط نجاعة الحل السجني الكلاسيكي، نقترح 4 آليات تكتيكية مستوحاة من روح العصر:

1. مأسسة السلوك المدني عبر “مؤسسة المغرب 2030”: عدم حصر المونديال في بعده السياحي، وتوسيع صلاحيات الهيئة المدبرة لتسيير خطة وطنية شاملة تدمج وزارات التعليم، الأوقاف، والداخلية لتعديل السلوكيات قبل صافرة الانطلاق.

2. تعميم الإدارة التشاركية الرقمية (نموذج بركان): إصدار مرسوم لتعميم تطبيقات “التبليغ المواطن” تمكن الساكنة من رصد الاختلالات (حفر، إنارة معطلة) وإلزام الجماعات الترابية بالتدخل الفوري خلال 48 ساعة، مما يحول المواطن من متفرج إلى مساهم.

3. إقرار العقوبات البديلة والخدمة العامة: تمكين الشرطة الإدارية الجماعية من تفعيل “العقوبات البديلة اللحظية” (تنظيف، ترميم الممتلكات العامة)، لكسر شعور الإفلات من العقاب دون اللجوء للمقاربة السجنية.

4. التعاقد مع “الألتراس” عبر خدمة مدنية طوعية: تجاوز المقاربة الأمنية الصرفة مع فصائل المشجعين، وإدماج قادتهم في برنامج “خدمة مدنية وطنية” مؤدى عنها لتأطير الجماهير وتنظيم الولوج للملاعب عبر التذاكر الإلكترونية.

 

المغرب الذي أبان عن تضامن عضوي استثنائي خلال زلزال 2023، مطالب اليوم بنقل طاقة الأزمات إلى انضباط يومي هادئ. إن بناء سلوك مدني حداثي يتطلب ثلاثة وجوه: تعليم يُحمّل المسؤولية، بنية تحتية تُنظّم العيش المشترك، وعقوبة إدارية تحمي الفضاء العام

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة