بين سرعة “البراق” وبطء السلوك: هل نستورد التكنولوجيا وننسى “الذوق”؟
بقلم: د. زكرياء بنعمر فارس
صعدتُ فاطمة إلى مقصورة “البراق”، ذلك القطار الذي يختزل في اسمه وفخامته طموح المغرب نحو الحداثة، واضعاً في مخيلتيها أنها على أعتاب تجربة تليق بقطار وُلد ليكون عنواناً للسرعة والرفاهية. إلا أن الرحلة التي بدأت بوعود الابتكار، انتهت باكتشاف مفارقة مؤلمة: فالسرعة الفائقة قد تُقرب المسافات الجغرافية، لكنها قد تبتعد بنا عن مسافات الرقي الاجتماعي.
حينما تصدمنا الواقعية
داخل المقصورات، تومض الإشارات الإلكترونية دون توقف، مذكّرة الركاب بقوانين الصرامة: “ممنوع التدخين”، “يرجى الحفاظ على الهدوء”. غير أن الواقع يروي حكاية أخرى؛ فرائحة السجائر المسربة من الممرات تسبق التنبيهات الضوئية، ومكالمات هاتفية تُبث بأعلى نبرات الصوت، محولةً المقاعد المريحة إلى “منصات عرض” لتفاصيل حياتية خاصة، يجد الركاب أنفسهم مرغمين على تقاسمها، وكأن هدوء المقطورة سلعة قابلة للمقايضة بمكالمة عابرة.
أزمة وعي لا أزمة تقنية
إن المشكلة الحقيقية هنا لا تكمن في “البراق” كآلة، ولا في جودة المسارات أو دقة التوقيت، بل في الفجوة التي تفصل بين “التحديث” و”التحضر”. إننا نخطئ حين نظن أن الحداثة هي مجرد استيراد أحدث الوسائل التكنولوجية، أو تشييد محطات تضاهي بجمالها وعصرنتها أرقى المحطات العالمية.
الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن الوعي لا يُستورد، والذوق لا يُشترى، والتربية لا تُختزل في ثمن تذكرة سفر.
جوهر التحضر
لقد بات لزاماً علينا أن نعيد تعريف “التحضر”. فالحضارة ليست قطاراً فائق السرعة يقطع المسافات في دقائق، بل هي “سلوك” يرافق الإنسان في حله وترحاله، في الأماكن العامة كما في الخاصة. إن امتلاكنا لأدوات العصر دون التحلي بأخلاقياته يضعنا في وضع متناقض: فما قيمة أن نسبق العالم في وسائل النقل، إذا كنا لا نزال نراوح مكاننا في احترام أبسط قواعد العيش المشترك؟
ختاماً.. الحداثة أخلاق قبل أن تكون آلات
إن التمدن الحقيقي لا يختبر في جمال القطارات أو سرعة محركاتها، بل في قدرتنا على صيانة “الفضاء العام” واحترام خصوصية الآخر. فالحداثة الحقيقية هي التي تبدأ من الداخل، من سلوك الفرد في المجتمع، قبل أن تنعكس على مقتنياته.
لذا، سيبقى “البراق” تحفة هندسية مغربية بامتياز، ولكن يبقى الاختبار الأكبر أمامنا جميعاً: هل نرتقي بسلوكنا لنكون على قدر هذه السرعة، أم سنظل مسافرين بقطارات القرن الحادي والعشرين، بأخلاقيات لم تغادر محطات الماضي









