الكوتشينغ الذهني: التحرر من سجن “الأنا” EGO في كرة القدم
بقلم الدكتور زكرياء بنعمر فارس
المعاناة النفسية والضغط الذي يعيشه لاعب كرة القدم لا ينبعان دائماً من قوة الخصم أو صافرة الحكم، بل من غياب الفهم العميق لـ “القانون الطبيعي”. نحن لا نتحدث هنا عن قوانين “الفيفا” أو لوائح النادي، بل عن قوانين الطبيعة البشرية وقواعد اللعبة والحياة: أن الفشل جزء من النجاح، وأن المجهود الجماعي يتفوق على الفرديات، وأن التراجع البدني حقيقة لا مفر منها.
الجهل والوهم: العدو الخفي للاعب
الجهل بكيفية سير هذه القوانين الطبيعية يعمي اللاعب عن رؤية الواقع كما هو. يتدخل هنا “الأنا” (L’Ego) ليحاول السيطرة على العقل، موهماً اللاعب بأنه وصل إلى قمة النضج، وأن مهاراته مكتملة، وأن أخطاءه دائماً هي مسؤولية الآخرين (المدرب، الأرضية، زملاء الفريق). هذا الاعتقاد المطلق هو مجرد “وهم” يبعد الرياضي عن الحقيقة، ويوقعه في فخ المعاناة والركود.
حالات عملية وأمثلة من المستطيل الأخضر
لفهم هذا المفهوم، لنقم بإسقاطه على حالات واقعية نشاهدها يومياً في ملاعب كرة القدم:
الحالة الأولى: النجم الذي يرفض الأدوار الدفاعية
الموقف 1 : مهاجم موهوب يسجل الأهداف، لكنه يرفض الضغط على الخصم عند فقدان الكرة، معتقداً أن دوره يقتصر على الهجوم فقط (سيطرة الأنا).
النتيجة (المعاناة): يبدأ المدرب بإجلاسه على دكة البدلاء لصالح لاعب أقل مهارة لكنه يخدم المنظومة الجماعية. يدخل المهاجم الموهوب في حالة إحباط واصطدام مع المدرب والجمهور، بسبب جهله بـ “القانون الطبيعي” لكرة القدم الحديثة التي تتطلب عملاً جماعياً شاملاً.
الحالة الثانية: العودة من الإصابة وتوقع المستحيل
الموقف 2 : لاعب يعود من إصابة طويلة، وبسبب “الأنا” يرفض التدرج، معتقداً أنه سيعود لمستواه بنسبة 100% في أول مباراة.
النتيجة (المعاناة): يقدم أداءً سيئاً، فيبدأ بجلد ذاته وفقدان الثقة. معاناته لم تأتِ من الإصابة نفسها، بل من جهله وتجاهله لقانون التعافي الطبيعي الذي يتطلب الوقت والصبر والمرحلية.
خارطة الطريق: كيف ينقذ اللاعب نفسه؟
التحرر من هذه المعاناة الذهنية يبدأ بمواجهة “الأنا” بشجاعة، والانخراط في مسار “التحول الذاتي”. إليك أهم المسارات والحلول العملية للاعبينا:
الاعتراف بنقاط الضعف: الخطوة الأولى للتحرر هي كسر وهم “الكمال”. يجب على اللاعب أن يجلس مع مرافقه الذهني ويحدد بصدق وثقة الجوانب التي يحتاج إلى تطويرها، سواء كانت تكتيكية، بدنية، أو انفعالية.
فصل “الذات” عن “الأداء”: يجب أن يدرك اللاعب أن تقديم مباراة سيئة لا يعني أنه إنسان فاشل. تقييم الأداء يجب أن يكون موضوعياً بعيداً عن تضخم الأنا أو تحطيم الذات.
تقبل النقد كأداة للتطور: عندما يصرخ المدرب لتصحيح خطأ ما، يجب أن يستقبل العقل هذه المعلومة كبيانات لتحسين الجودة، وليس كإهانة شخصية (تجريد الموقف من الأنا).
التركيز على “العملية” (Process) بدل “النتيجة” : لا يمكن للاعب التحكم في نتيجة المباراة دائماً (القانون الطبيعي)، لكنه يمتلك السيطرة الكاملة على التزامه في التدريبات، نظامه الغذائي، وتركيزه في الملعب.
تبني عقلية المبتدئ (positif Mindset): مهما بلغ اللاعب من نجاح وشهرة، يجب أن يحافظ على جوع التعلم. العقلية التي تعتقد أنها تعرف كل شيء هي عقلية انتهت رياضياً.
المواجهة المباشرة مع “الأنا” ليست عملية سهلة، بل تتطلب تدريباً ذهنياً مستمراً يوازي التدريب البدني لغد مشرق.








