لو دامت لغيرك ما وصلت إليك،
نعود إليكم بسلسلة مقالات من وحي الواقع .
الحلقة الاولى:
لو دامت لغيرك ما وصلت إليك،
خاطرة بقلم الدكتور سيدي علي ماءالعينين أكادير، 2026،
ابتليت إدارتنا – والعياذ بالله – بكائنات تعمل بعقلية الاستحواذ؛ فتجد يدها ممتدة لكل شيء وغير ممدودة لكل الناس،
تعشق الوقوف في ظل المسؤول لتنزع منه كل تكليف بالمسؤولية.
كائنات تقضي كل وقتها في العمل، ليس حباً فيه، ولكن حباً في تملك رب المعمل مقابل امتيازات معنوية أو مادية، أو مجرد إشباع لنزعة نفسية مريضة.
كائنات تحارب بكل قوة أي طاقة جديدة، أو وجه جديد، أو مبادرات جديدة؛
فمنطق “أنا الكل في الكل” يغذي لدى هذه الكائنات نزعة الإقصاء، وتبخيس الغير، وتوهم القدرة على فعل كل شيء.
هي كائنات حربائية، تتقن فن التحول من مرحلة إلى مرحلة، ولديها القدرة على التأقلم مع كل المراحل والوجوه والمواقف، يكفيها منهجاً في وجودها:
“لي جابها سيدي نقول ليها لالة”.
لا أحد ينكر لهذه الكائنات ما راكمته من تجربة، وما توفر لديها من خبايا الإدارة مع توالي سنوات المسؤولية،
لكن لا أحد يفهم لماذا كل هذا التماهي والتباهي والتصابي في السلوك من أجل الظهور، وإرسال الآخرين إلى القبور للشعور بالسعادة والسرور.
هذه الكائنات لا تعرف معنى الإجازة والعطل، وحتى إذا حدث وأخذت قسطاً من عطلتها، تجدها تغلق المكاتب على ملفات الإدارة وتمنع وصول غيرها إليها حتى تعود،
وفي أيام العطلة تتصل بمقر العمل صباح مساء لتسأل عمن غاب ومن حضر.
إنها تعتبر الإدارة مملكتها الخالدة، ولا تقبل بالتداول على المسؤولية، ولا حتى بالمساعدة في ملف أو مجرد مراسلة؛ فهذه الكائنات من صنف الرجل الذي يظن أنه يعرف فعل كل شيء “l’homme qui sait tout faire”، والواقع أن الوجوه الجديدة تعري هشاشة مملكتها.
من علامات هذه الكائنات كثرة المفاتيح، فتجدها مثقلة بمفاتيح الإدارة، فلا تستغرب إن وجدت عندها مفاتيح المراحيض، ومفاتيح الأبواب الرئيسية، وبعض المكاتب، وحتى مفاتيح قديمة تحتفظ بها كتذكار مريض عن أزمة ماضية، فأصوات احتكاكها توحي لها بالهيبة والتحكم والمكانة الإدارية.
تتضايق هذه الكائنات من سفريات الموظفين والعاملين أثناء تكليفهم بمهمة خارج الإدارة، بينما تعشق هي السفر في إطار المأموريات، وتحب الاتصال بمصلحة الحسابات للاطمئنان على تعويضات التنقل، وتتباهى بصور وأدرع ومحفظات تلك السفريات، فهي هناك تمثل الإدارة هنا، ولسان حالها يقول:
“أنا وحدي مضوي البلاد”.
وعندما يأتي التقاعد أو المرض، تصاب هذه الكائنات بهستيريا وحالة اكتئاب حادة، ولا تتردد في طلب التمديد متذرعة بأن ذهابها سيترك فراغاً قاتلاً، وأن الإدارة ستتوقف أو تتعثر، وأنه لا أحد يمتلك القدرة والمعرفة لإدارة الملفات التي كانت تحت مسؤوليتها.
وعندما يحين تاريخ المغادرة، تكون حريصة على أن تهيئ بنفسها حفل تكريمها، وتأخذ الكلمة بعبارات تختلط بالدموع لتوصي الحاضرين خيراً بالإدارة، وتذكرهم بعنجهيتها وفلسفتها في حب العمل والتضحية والتفاني؛
في حين يصفق الحاضرون بحرارة ولسان حالهم يقول:
“اذهبي أيتها الكائنات مشية بلا رجعة”، فقد حاربتم الطاقات الشابة، ومنعتم تجديد آليات الإدارة، وجعلتم الدسائس منهاجاً في المعاملة،
فاذهبي إلى جحيم التقاعد ومارسي سلطتك البالية البائدة على غرف منزلك وبعض من جيرانك.
وفي المحصلة، لا ضير من أن يسعى الإنسان ويكافح من أجل الارتقاء، ولكن ليس على حساب الآخرين؛
فمن يتخذ ذلك طريقاً فلربما سيصل إلى مبتغاه، ولكن لن يدوم طويلاً.
فمثلما نشم الروائح الجميلة، فإن للروائح القبيحة رائحة أيضاً لن يتحملها المجتمع طويلاً وسيعمل الجميع على طردها،
وكما قال أحبتنا المصريون: “ولو جريت جري الوحوش، غير رزقك ما تحوش”، فهل تعتبرون ؟









