الدكتور زكرياء بنعمر فارس
كثيرًا ما نظن أن التربية تكمن في الأوامر والنواهي، لكن الحقيقة أنها تسكن في تفاصيل الحياة اليومية، وفي مواقف عابرة قد تبدو بسيطة، لكنها تزرع في النفس قيماً لا تذبل.
القصة: حينما يكون “الملح” وسيلة للود
في يوم من الأيام، رأيت أمي تطلب القليل من الملح من جيراننا، رغم يقيني التام بأن مطبخنا يعج بكل ما نحتاجه. تساءلت ببراءة الأطفال: “يا أمي، لماذا تطلبين الملح ونحن نملك ما يكفينا؟”.
نظرت إليّ بابتسامة دافئة، وكأنها تدرك أن هذا هو الوقت المناسب لدرس في الإنسانية، وقالت:
“يا بني، جيراننا يعيشون حياة بسيطة، وكثيراً ما يلجؤون إلينا طلباً للعون. أردت أن أطلب منهم هذا الشيء البسيط لأشعرهم بأننا نحتاج إليهم كما يحتاجون إلينا، وبأننا لسنا دائماً في موقع (المعطي) المتعالي. بهذا، نكسر حاجز الخجل لديهم، ونحفظ كرامتهم، ونحافظ على توازن علاقتنا القائمة على الود لا على التفضل.”
وقفة تأمل: ما وراء الفعل
في تلك اللحظة، أدركت أن العطاء الحقيقي لا يتوقف عند حدود البذل المادي فحسب، بل يتجاوزه إلى “فقه جبر الخواطر”. لقد علمتني أمي دروساً لا تُنسى:
حفظ كرامة الآخرين: أن تجعل المحتاج يشعر بأنه صاحب حق وبأن وجوده في حياتك له قيمة، هو أرقى أشكال الاحترام.
التواضع: أن تتنازل عن دور “المكتفي” لتمنح الآخر فرصة ليشاركك، فهذا هو جوهر التواضع.
التوازن في العلاقات: إن العلاقات الإنسانية التي لا تعرف الأخذ والعطاء المتبادل تصبح هشة، بينما التبادل البسيط يُشعر الجميع بالأمان.
التعاطف: هو القدرة على رؤية الأمور من زاوية الآخر، وتجنيبهم شعور “الدونية” أو الحرج.
دعوة للتربية بالقيم
إن القيم لا تُلقن في الكتب، بل تُعاش في الممارسات اليومية. إننا حين نربي أطفالنا على التعاطف، والتواضع، وصون كرامة الناس، فإننا لا ننشئ أفراداً صالحين فحسب، بل نبني لبنات لمجتمع أكثر رقيّاً، عدلاً، وجمالاً.
فلنجعل من مواقفنا اليومية مع أبنائنا مرايا لهذه القيم، ولنغرس فيهم أن العظمة لا تقاس بما نملك، بل بما نتركه من أثر طيب في نفوس من حولنا.







