أحداث سبتة تضع الأحزاب المغربية أمام امتحان الانتخابات.. هل تتحول معاناة الشباب إلى برامج وحلول؟

ميلودة جامعي19 أغسطس 2026آخر تحديث :
أحداث سبتة تضع الأحزاب المغربية أمام امتحان الانتخابات.. هل تتحول معاناة الشباب إلى برامج وحلول؟

بقلم : ميلودة جامعي

لم تعد تداعيات أحداث سبتة محصورة في الجانب الأمني أو في نقاش الهجرة غير النظامية، بل بدأت تفتح نقاشاً أوسع داخل المغرب حول واقع الشباب، وحجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجههم، ومدى قدرة السياسات العمومية والأحزاب السياسية على تقديم أجوبة مقنعة عن تطلعات فئة واسعة من المجتمع.

فمحاولة أعداد كبيرة من الأشخاص، بينهم قاصرون، الوصول إلى سبتة، أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكثر عمقاً من مجرد كيفية ضبط الحدود: لماذا ما يزال حلم الوصول إلى الضفة الأخرى حاضراً بقوة لدى بعض الشباب؟ وما الذي يدفع قاصرين إلى التفكير في مغادرة محيطهم والأسرة والمدرسة، والمغامرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل يعتقدون أنه أفضل؟

هذه الأسئلة تضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولية تتجاوز إصدار المواقف والتصريحات الظرفية. فالاستحقاقات البرلمانية المقبلة ستكون مناسبة لعرض برامج انتخابية يفترض أن تتضمن حلولاً واضحة وقابلة للقياس في مجالات التشغيل، والتعليم، والتكوين المهني، والصحة النفسية والاجتماعية، والثقافة والرياضة، ودعم المبادرات الشبابية، خصوصاً في المناطق التي ترتفع فيها مؤشرات الهشاشة الاجتماعية.

المطلوب اليوم ليس فقط الحديث عن مواجهة الهجرة غير النظامية، وإنما معالجة الظروف التي تجعلها خياراً مطروحاً في أذهان بعض الشباب. فالمقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورية لحماية الحدود والأرواح، لا يمكن أن تكون وحدها جواباً دائماً على ظاهرة لها جذور اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية متشابكة.

كما أن ملف القاصرين يفرض نقاشاً خاصاً، لأن وصول طفل أو مراهق إلى التفكير في الهجرة الخطرة يكشف، قبل أي شيء، عن حاجة إلى تقوية منظومة الحماية الاجتماعية والإنصات والتوجيه والمواكبة، وإعادة النظر في الآليات التي يفترض أن تمنح هذه الفئة أملاً حقيقياً في المستقبل داخل بلدها.

ومن المرتقب أن يجد هذا الملف طريقه بقوة إلى النقاش الانتخابي، خصوصاً أن المواطنين لا ينتظرون فقط تشخيصاً للأزمة، بل يريدون معرفة ماذا ستفعل الأحزاب لمعالجة أسبابها. هل ستقترح برامج تشغيل حقيقية للشباب؟ هل ستقدم حلولاً لمشكلة الهدر المدرسي؟ هل ستعزز التكوين وربطه بسوق الشغل؟ وهل ستمنح الثقافة والرياضة مكانتهما باعتبارهما أدوات للوقاية من الإقصاء والانحراف والهجرة؟

في المقابل، سيكون على الأغلبية الحكومية الدفاع عن حصيلة الإصلاحات والسياسات التي تم تنفيذها، وإقناع الرأي العام بأن الإجراءات القائمة قادرة فعلاً على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، بينما ستجد المعارضة نفسها مطالبة بتقديم بدائل عملية، وليس الاكتفاء بتحميل الحكومة مسؤولية الأوضاع القائمة.

وبين هذا وذاك، يبقى الشباب هو الطرف الأكثر أهمية في المعادلة، لأن الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى موسم للوعود، ثم تعود الملفات نفسها إلى رفوف المؤسسات بعد انتهاء الاستحقاقات. فأحداث سبتة، بكل ما حملته من دلالات، تستحق أن تتحول إلى لحظة سياسية لإعادة التفكير في علاقة الشباب بالمستقبل، وفي مدى شعورهم بأن لهم مكاناً وفرصاً حقيقية داخل وطنهم.

فالحدود يمكن تعزيزها، والمسالك غير النظامية يمكن محاصرتها، لكن القضاء على دوافع الهجرة يتطلب معالجة الأسباب من جذورها. وهنا تحديداً سيكون الامتحان الحقيقي للأحزاب: هل ستكتفي باستثمار أحداث سبتة في الخطاب الانتخابي، أم ستقدم للمغاربة برامج تجعل من الأمل في المستقبل داخل المغرب بديلاً حقيقياً عن المغامرة بالمجهول؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة