بقلم: ميلودة جامعي
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود المشهد السياسي إلى واجهة الأحداث بإيقاع مختلف؛ لقاءات وتجمعات، شعارات وتصفيقات، أغانٍ وأجواء احتفالية، ووجوه سياسية تظهر من جديد في الأحياء وبين المواطنين. وكأن عقارب الساعة السياسية لا تتحرك إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع، وكأن المسافة بين المنتخب والمواطن تصبح قصيرة فجأة بعدما كانت طويلة طوال سنوات.
المفارقة التي تثير الكثير من التساؤلات اليوم هي أن المواطن لا يعيش مشاكله خلال فترة الانتخابات فقط، بل يعيشها كل يوم. فهو يواجه غلاء الأسعار، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على السكن، وغياب فرص الشغل بالنسبة لفئات واسعة من الشباب، بينما تتفاقم في بعض المناطق ظواهر اجتماعية مقلقة، من بينها انتشار المخدرات والجريمة والهجرة غير النظامية.
وأمام هذا الواقع، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط لكنه محرج: أين كان المنتخب عندما كان المواطن يبحث عن من يسمعه ويدافع عن مصالحه؟
فإذا كان السياسي يعود اليوم إلى الأحياء والفضاءات العمومية، ويحرص على لقاء المواطنين والاستماع إلى مطالبهم، فإن المواطن من حقه أيضاً أن يسأل عن السنوات التي سبقت الحملة الانتخابية. أين كانت هذه اللقاءات عندما كان الشاب يبحث عن فرصة عمل؟ وأين كان التواصل عندما كانت الأسر تواجه ارتفاع تكاليف الحياة؟ وأين كانت المبادرات عندما بدأت المخدرات تتسلل إلى حياة الشباب وتهدد مستقبلهم؟
إن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار أو صعوبة الحصول على فرص الشغل، بل في اجتماع عدة أزمات في وقت واحد. شاب عاطل يشعر بأن الأبواب مغلقة أمامه، وقد يجد نفسه أمام الإدمان أو الجريمة أو التفكير في الهجرة غير النظامية باعتبارها مخرجاً من واقع يراه بلا أفق. وهنا تصبح مسؤولية المؤسسات والمنتخبين والمجتمع المدني أكبر بكثير من تنظيم تجمع انتخابي أو إطلاق وعود جديدة.
فالشباب لا يحتاج فقط إلى من يطلب صوته، وإنما يحتاج إلى من يساعده على بناء مستقبله. يحتاج إلى التكوين، والعمل، والرياضة، والثقافة، والفضاءات الآمنة، وبرامج حقيقية للوقاية من الإدمان ومحاربة أسباب الانحراف، وليس فقط التعامل مع النتائج بعد وقوعها.
كما أن ملف الجريمة والمخدرات لا يمكن أن يبقى مجرد مادة انتخابية تستعمل عند الحاجة إلى استمالة الناخبين. هذه ظواهر اجتماعية معقدة تحتاج إلى مقاربة مستمرة تشترك فيها المؤسسات والأسر والمدرسة والمجتمع المدني والمنتخبون، كل حسب مسؤوليته واختصاصاته.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل المنتخب وحده مسؤولية جميع المشاكل، كما لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية الأوضاع التي يعيشها. لكن من يطلب ثقة المواطنين ويتقدم للانتخابات على أساس تمثيلهم، عليه أن يقبل أيضاً بمبدأ المحاسبة، وأن يقدم للناس حصيلة واضحة عن فترة تحمله للمسؤولية.
المواطن اليوم لا يريد سماع وعود جديدة فقط، بل يريد أن يعرف ماذا تحقق من الوعود القديمة. يريد أن يعرف أين ذهبت المشاريع التي تم الإعلان عنها، وما الذي تغير في الأحياء، وماذا تم تقديمه للشباب، وما الإجراءات التي اتخذت لمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق الأسر.
ومن هنا، فإن ظاهرة عودة بعض المنتخبين إلى المواطنين مع اقتراب الانتخابات تطرح سؤالاً أكبر حول طبيعة العلاقة بين الناخب والمنتخب: هل المواطن شريك طوال الولاية أم مجرد رقم انتخابي عندما يحين موعد الاقتراع؟
فالسياسة لا ينبغي أن تكون موسماً يبدأ قبل الانتخابات بأسابيع وينتهي بعد إعلان النتائج. والمنتخب الحقيقي لا يحتاج إلى حملة انتخابية حتى يتذكر المواطن، ولا إلى مكبرات الصوت حتى يسمع شكايات السكان.
قد يشارك المواطن في تجمع انتخابي، وقد يصفق، وقد يبتسم أمام الكاميرات، لكن ذلك لا يعني أنه نسي السنوات الماضية. فذاكرة المواطن أقوى من اللافتات، والحصيلة أقوى من الشعارات، والواقع اليومي أقوى من الوعود.
ولهذا، فإن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون مناسبة للمساءلة قبل أن تكون مناسبة للفرجة. على كل مرشح أن يواجه أسئلة المواطنين بوضوح: ماذا قدمت؟ ماذا أنجزت؟ ماذا لم تستطع تحقيقه؟ وما الذي ستفعله بشكل مختلف إذا حصلت على ثقة الناخبين من جديد؟
فالمواطن الذي يعاني من الغلاء لا يريد حفلاً انتخابياً بقدر ما يريد حلولاً، والشاب الذي يبحث عن العمل لا يريد صورة مع منتخب بقدر ما يريد فرصة حقيقية، والأسرة التي تخشى على أبنائها من المخدرات والجريمة لا تريد شعارات بقدر ما تريد أحياء آمنة وبرامج وقاية ومواكبة، والشاب الذي يفكر في الهجرة غير النظامية يحتاج إلى أمل حقيقي يجعله يرى مستقبله داخل وطنه.
وفي النهاية، ليست المشكلة في الشطيح والرديح ولا في الأجواء الاحتفالية في حد ذاتها، وإنما في أن تتحول هذه المظاهر إلى بديل عن النقاش السياسي الحقيقي، أو إلى وسيلة لتغطية غياب الحصيلة.
فالانتخابات ليست عرساً ينتهي بانتهاء الموسيقى، وإنما مسؤولية تبدأ بعد إعلان النتائج. والمواطن ليس صوتاً يُستدعى عند الحاجة، بل هو صاحب الحق في المتابعة والمساءلة طوال الولاية.
حين تقترب الانتخابات يقترب المنتخب من المواطن.. لكن السؤال الذي سيظل مطروحاً هو: أين كان عندما كان المواطن يحتاج إليه؟









