نقد سياسي أم ضجيج انتخابي؟ عندما تتحول المنافسة إلى استهداف للأشخاص

ميلودة جامعي25 أغسطس 2026آخر تحديث :
نقد سياسي أم ضجيج انتخابي؟ عندما تتحول المنافسة إلى استهداف للأشخاص

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت حرارة المنافسة السياسية ترتفع من جديد، وعادت معها لغة الانتقاد والهجوم إلى واجهة المشهد، خصوصاً مع اتساع تأثير مواقع التواصل الاجتماعي وتحولها إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل والمواقف.

وفي خضم هذا المناخ، يبرز اسم البرلماني مصطفى جداد في دائرة موجة من الانتقادات، وهو أمر لا يفترض أن يكون مستغرباً في الحياة السياسية، فالمنتخب ليس فوق المساءلة، والنقد حق مشروع لكل مواطن وفاعل سياسي. لكن الإشكال الحقيقي لا يرتبط بوجود النقد، وإنما بطبيعته وتوقيته وأهدافه.

فهل يتعلق الأمر بنقاش سياسي يروم تقييم الأداء ومساءلة المنتخب، أم أن الأمر يدخل في إطار ضجيج انتخابي مبكر ومحاولة للتأثير على صورة الرجل أمام الناخبين؟

السياسة في جوهرها ليست منشورات متتالية ولا حملات افتراضية ولا سباقاً في إطلاق الاتهامات، وإنما هي حصيلة ومواقف وبرامج ونتائج يمكن للناس الحكم عليها. ومن يرى أن أداء مصطفى جداد لم يكن في مستوى الانتظارات، فمن حقه أن ينتقده، لكن من واجبه أيضاً أن يقدم المعطيات التي يستند إليها، وأن يوضح للمواطن أين أخفق المنتخب وأين كان يمكن أن يكون أداؤه أفضل.

وبالمقابل، فإن من يرى أن تجربة جداد تستحق الاستمرار، فله الحق في الدفاع عنها وتقديم ما يعتبره حصيلة إيجابية. وفي الحالتين، يبقى الفيصل هو الوقائع، وليس حجم الضجيج الذي يصاحب النقاش.

القرب من المواطنين بدوره لا ينبغي أن يتحول إلى شعار انتخابي. فالمنتخب الذي يظل حاضراً بين الناس، يستمع إلى مشاكلهم ويتابع ملفاتهم ويحاول إيصال مطالبهم إلى المؤسسات، يضع نفسه بالضرورة أمام مساءلة أكبر، لأنه يصبح أكثر احتكاكاً بالانتظارات وأكثر عرضة للانتقاد.

لكن المواطن لا ينتظر من البرلماني أن يحل جميع المشاكل، لأنه يعرف أن هناك ملفات تتجاوز صلاحياته، وإنما ينتظر منه الإنصات والتواصل والمتابعة وعدم إغلاق الأبواب أمامه. وهذا النوع من العلاقة لا يمكن أن يبدأ قبل الانتخابات وينتهي بعد إعلان النتائج.

المنافسة السياسية تظل حقاً مشروعاً، ومن الطبيعي أن يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه باعتباره البديل الأفضل. لكن البديل الحقيقي لا يُبنى على إسقاط الخصم، وإنما على إقناع المواطن.

ومن يريد منافسة مصطفى جداد سياسياً، فليقدم حصيلته المضادة، وليعرض برنامجه، وليشرح للناخبين ما الذي يستطيع تحقيقه، وليترك لهم مهمة المقارنة والاختيار.

أما تحويل الخلاف السياسي إلى معركة شخصية، أو جعل التشكيك في الأشخاص بديلاً عن مناقشة البرامج، فإنه لا يخدم العملية الانتخابية ولا يرفع من مستوى النقاش العمومي.

لقد أصبح المواطن اليوم أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والواقع. وقد تنجح حملة على مواقع التواصل الاجتماعي في خلق موجة من التفاعل، لكنها لن تكون بالضرورة قادرة على صناعة قناعة انتخابية مستقرة. فالناخب في النهاية يبحث عن إجابات واضحة: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن يملك تصوراً أفضل للمستقبل؟

لهذا، فإن النقد الحقيقي لا يخيفه الدليل، والمساءلة الجادة لا تحتاج إلى التشهير. إذا كانت هناك اختلالات، فلتعرض أمام الرأي العام. وإذا كانت هناك حصيلة ضعيفة، فلتقدم أرقامها. وإذا كانت هناك مواقف تستوجب التوضيح، فليتم طرحها بكل وضوح.

وفي المقابل، من حق المنتخب أن يدافع عن نفسه وأن يعرض ما قدمه، وأن يرد على الانتقادات بالمعطيات والوقائع، بعيداً عن الانفعال والمزايدات.

فالانتخابات ليست محكمة لتصفية الحسابات، وليست مناسبة لإعدام الخصوم سياسياً، وإنما هي فرصة أمام المواطن ليختار من يراه أكثر قدرة على تمثيله والدفاع عن مصالحه.

وقد ترتفع الأصوات خلال المرحلة المقبلة، وقد تزداد الحملات وتكثر الاتهامات والاتهامات المضادة، لكن كل ذلك سيبقى مؤقتاً.

وهذا ستبقى الكلمة للمواطن، وسيبقى صندوق الاقتراع هو المكان الذي تُحسم فيه المنافسة.

قد يصنع الضجيج لحظة من الانتباه، لكن الثقة لا تُصنع بالضجيج.

وإذا كان هناك من يريد إسقاط مصطفى جداد سياسياً، فالأفضل أن يواجهه بالسياسة، لا بالتشهير؛ بالبرنامج، لا بالاتهام؛ وبالحصيلة، لا بالإشاعة.

لأن المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج الانتخابي، بقدر ما يحتاج إلى نقاش صريح يضع أمامه الحقائق والبرامج والبدائل.

وفي النهاية، لن تكتب الحملات الفصل الأخير من هذه القصة… المواطن هو من سيكتبه بصوته.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة