لينة بنعمر فارس
لا يزال ظهور الذكاء الاصطناعي في النسيج الاقتصادي العالمي يثير قدرًا كبيرًا من الإعجاب والقلق على حد سواء. يشهد التاريخ الحديث أمثلة عديدة حيث اصطدم الحماس الأولي للأتمتة بتعقيدات الواقع، مخلفًا وراءه موجات من عمليات التسريح التي تلتها، في بعض الأحيان، عمليات تراجع مكلفة. لنتذكر إخفاقات بعض منصات خدمة العملاء، التي اضطرت إلى إعادة دمج مشغلين بشريين بعد المراهنة المفرطة على روبوتات محادثة غير فعالة، أو حتى محاولات مماثلة، وإن كانت أقل شهرة، في قطاعات أخرى حيث ثبت أن الفروق الدقيقة والتعاطف البشري لا يمكن الاستغناء عنهما.
في هذا السياق الذي يتميز بتجارب متناقضة، يقدم مثال شركة IBM توضيحًا بليغًا للمفارقات التي أحدثها التبني الواسع النطاق للذكاء الاصطناعي. ففي عام 2023، أثارت الشركة الأمريكية متعددة الجنسيات ضجة بإعلانها عن إلغاء ما يقرب من ثمانية آلاف وظيفة، معظمها داخل أقسام الموارد البشرية. بدا حينها وعد الكفاءة المتزايدة، بفضل تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي، أمرًا حتميًا. وكان الهدف المعلن لأتمتة ما يقرب من ثلث المهام المتكررة، على غرار ما قامت به شركات تكنولوجية عملاقة أخرى مثل جوجل أو سبوتيفاي على نطاق مختلف، يتماشى مع منطق الترشيد العالمي.
كانت أداة AskHR، وهي وكيل محادثة متطور يعمل بالذكاء الاصطناعي، رأس حربة هذا التحول. وبفضل قدرتها على معالجة مجموعة واسعة من المهام الإدارية بكفاءة عالية، بدءًا من إدارة الإجازات وصولًا إلى معالجة الرواتب، سمح هذا الحل لشركة IBM بأتمتة نسبة مذهلة بلغت 94% من العمليات الروتينية للموارد البشرية. وشهدت وفورات الإنتاجية الناتجة، والتي بلغت 3.5 مليار دولار عبر أكثر من سبعين مهنة مختلفة، على الإمكانات التخريبية للذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، اتخذت الموجة الصادمة لهذا القرار الأولي منعطفًا غير متوقع. فعلى عكس كل التوقعات، شهدت IBM انتعاشًا في عمليات التوظيف بعد موجة التسريح هذه. وقد أكد الرئيس التنفيذي للشركة، أرفيند كريشنا، بنفسه هذه الديناميكية المفاجئة، موضحًا أن الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي سمح بشكل متناقض باستثمار المزيد في مجالات أخرى، مما أدى إلى زيادة إجمالية في عدد الموظفين.
يسلط هذا التوجه الاستراتيجي الجديد الضوء على منظور حاسم: فإذا كان الذكاء الاصطناعي يتفوق في أتمتة المهام المتكررة والقابلة للتنبؤ، فإنه يحرر في الوقت نفسه موارد بشرية ومالية يمكن إعادة توجيهها نحو وظائف ذات قيمة مضافة أعلى. وقد ترجم ذلك في IBM إلى توظيف واسع النطاق لمهندسي البرمجيات والمتخصصين في المبيعات والتسويق – وهي مهن لا تزال فيها الإبداع والتفكير النقدي والتفاعل البشري أصولًا لا يمكن الاستغناء عنها.
ترسم تجربة IBM، التي تؤكدها التعديلات التي لوحظت في شركات أخرى بالغت في تقدير القدرات الأولية للذكاء الاصطناعي، مسارًا معقدًا لمستقبل العمل. فبدلاً من أن يكون مجرد قوة مدمرة للوظائف، يظهر الذكاء الاصطناعي كمحفز للتحول، مما يخلق احتياجات جديدة للكفاءات ويعيد تعريف هياكل المنظمات.
يعتمد النجاح النسبي لشركة IBM في هذا التحول على قدرتها على إعادة استثمار مكاسب الإنتاجية بحكمة في القطاعات الاستراتيجية. ويعد التطور المذهل في معدل رضا العملاء عن AskHR مؤشرًا بليغًا على ذلك. ومع ذلك، فإن حقيقة أن 6% من الطلبات لا تزال تتطلب تدخلًا بشريًا تذكر بأن الاستبدال ليس كاملاً أبدًا وأن بعض الخبرات لا تزال ضرورية.
على أعتاب تنبؤات مثيرة للقلق، مثل تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يشير إلى الاختفاء المحتمل لـ 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، يقدم مثال IBM بصيص أمل. ويكمن التحدي بالنسبة للشركات والعاملين الآن في توقع هذه التحولات العميقة، والاستثمار في التدريب المستمر، والتكيف بمرونة مع سوق عمل دائم التطور. ففي IBM، لم يلغ الذكاء الاصطناعي وظائف فحسب؛ بل أجبر الشركة على تفكير استراتيجي عميق وإعادة اختراع مفهوم العمل نفسه في العصر الرقمي.









