نهاية الحياة في فرنسا : “حق المساعدة على الموت”
ذ. نسرين فارس
قطعت فرنسا خطوة تشريعية وأخلاقية كبيرة في 27 مايو الماضي. فقد صوتت الجمعية الوطنية في قراءتها الأولى لصالح إنشاء “حق المساعدة على الموت”، وهو إصلاح مجتمعي من المتوقع أن يستمر في إشعال النقاش العام. ومع تصويت 305 نواب لصالحه و199 ضده، حصل النص على دعم كبير، لكن حجم الأصوات “المعارضة” والامتناع عن التصويت البالغ 57 صوتاً يؤكد الانقسام العميق الذي لا يزال يثيره هذا الموضوع الحساس داخل البرلمان نفسه.
يهدف مشروع القانون هذا، الذي يقدم على أنه رغبة في “تفويض ومرافقة” الأشخاص المصابين بأمراض مستعصية ويعانون من آلام لا تطاق، إلى السماح لهم بتناول مادة مميتة أو طلب إعطائها لهم إذا لم تسمح حالتهم الجسدية بذلك. ومن المفارقات أن مصطلحي “الانتحار بمساعدة” و”القتل الرحيم”، على الرغم من أنهما يعكسان حقيقة الممارسات المتوخاة، غائبان بشكل واضح عن النص، وهو إغفال لن يغيب عن عين المراقبين النقديين. فهل يسعى هذا التعبير المخفف إلى إخفاء النطاق الحقيقي لقانون سيشرع، لأول مرة، هذه الممارسات ضمن إطار محدد؟
تصويت يكشف عن الانقسامات السياسية
لقد سلط التصويت، الذي ترك كل كتلة سياسية حرية التصويت لأعضائها بحكمة، الضوء على الانقسامات الأيديولوجية التي تخترق قاعة البرلمان. ففي حين دعمت “الكتلة الوسطية” واليسار النص بأغلبية ساحقة، عارض اليمين واليمين المتطرف النص بشدة، متمسكين بمواقف متجذرة في مبادئ أخلاقية أو دينية تقليدية. هذا الاستقطاب ليس مفاجئًا، لكنه يذكرنا بأن وراء الأرقام، تكمن قناعات عميقة ورؤى متضاربة للكرامة الإنسانية، والحرية الفردية، ودور الدولة في مواجهة الموت.
إن تبسيط النقاش إلى مجرد “مع” أو “ضد” يحجب تعقيد الأوضاع الإنسانية والرهانات الطبية. فالتساؤلات المتعلقة بمعايير الأهلية (مرض مستعصٍ، معاناة لا تطاق، القدرة على التمييز)، والضمانات ضد الانحرافات، وتكوين الطاقم الطبي، والوصول إلى الرعاية التلطيفية، تظل نقاط خلاف رئيسية لا يمكن لتصويت القراءة الأولى أن يمحوها.
مسار تشريعي لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات
على الرغم من هذا النجاح الرمزي الأولي، فإن المسار التشريعي للنص لم ينته بعد. يجب أن يتم دراسته الآن من قبل مجلس الشيوخ، الذي يُنظر إليه غالبًا على أنه غرفة أكثر تحفظًا، حيث من المتوقع أن تكون النقاشات حامية بنفس القدر، إن لم تكن أكثر. وسيعود النص بعد ذلك إلى الجمعية الوطنية لقراءة ثانية محتملة، أو حتى ثالثة. وستكون كل مرحلة فرصة لمعارك برلمانية جديدة وتعديلات، من شأنها أن تغير بشكل كبير محتوى مشروع القانون.
إن اعتماد هذا النص في القراءة الأولى هو حدث بلا شك، لكنه ليس سوى مقدمة لنقاش وطني أوسع وأعمق حول مكانة الموت في مجتمعنا. فبعيدًا عن الاعتبارات السياسية، يتم التساؤل عن جوهر علاقتنا بنهاية الحياة. فهل “حق المساعدة على الموت” هو الحل الأخير للمعاناة، أم هزيمة جماعية أمام الموت، لعدم وجود مقاربة أكثر شمولية وإنسانية للمرافقة في نهاية الحياة؟ يظل السؤال مطروحًا، والنقاش الحقيقي لم يبدأ بعد.








