7500 مليونير في المغرب: مرآة ذات وجهين
الدكتور زكرياء بنعمر فارس
يثير التقرير الأخير “تقرير الثروة الإفريقي 2025″، الذي يكشف عن وجود 7500 مليونير في المغرب، جدلاً واسعًا. فبينما يرى البعض في هذا الرقم انعكاسًا لاقتصاد مزدهر وفعّال، يقرأ فيه آخرون إشارة إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية. هذا العدد، الذي لا يمكن تجاهله، يقدم قراءة مزدوجة للواقع الاقتصادي والاجتماعي في المملكة.
نخبة مزدهرة في مواجهة تفاوت مستمر
الواقع لا يرحم: بوجود 7500 مليونير، يحتل المغرب المرتبة الثالثة في القارة من حيث الثروة الخاصة. ومع ذلك، تخفي هذه الإحصائية انقسامًا حادًا. ففي بلد يقطنه أكثر من 37 مليون نسمة، تمثل هذه النخبة نسبة ضئيلة جدًا، مما يثير تساؤلات حول عدالة توزيع ثمار النمو. يرى المنتقدون أن هذا الرقم يسلط الضوء على تركيز الثروة الذي لا يستفيد منه جميع المغاربة بشكل متساوٍ. فالمغرب، رغم كونه بلدًا ناميًا، يشهد تعايشًا بين أقلية شديدة الثراء وشرائح واسعة من السكان تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية. هذا هو جوهر حجة أن الازدهار يتركز في قمة الهرم الاجتماعي، مما يترك الأغلبية على الهامش.
دينامية اقتصادية أم سراب؟
في المقابل، تقدم تحليلات أخرى هذا الرقم كدليل على حيوية الاقتصاد المغربي ونموه المستمر. فزيادة عدد المليونيرات تُعتبر مؤشرًا على بيئة أعمال مواتية تشجع ريادة الأعمال، وتجذب الاستثمارات، وتسمح بتطوير قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات والطيران والسياحة والخدمات. هذا الترتيب المتقدم للمغرب، خلف جنوب أفريقيا ومصر، يُعتبر دليلاً ملموسًا على استقراره السياسي وفعالية سياسات تنويع صادراته. ويرى أنصار هذه الفرضية أن خلق الثروة، حتى لو كان مركزًا في البداية، له تأثير إيجابي على الاقتصاد ويمكن أن يحفز النمو ويخلق فرص عمل، شريطة تطبيق سياسات إعادة توزيع فعّالة. وقد حقق المغرب بالفعل تقدمًا ملحوظًا في الحد من الفقر خلال العقد الماضي.
الدور المحوري لريادة الأعمال
تكشف دراسة هذه الثروة أيضًا عن الدور المحوري لريادة الأعمال. فزيادة عدد المليونيرات لا تعود فقط إلى الميراث، بل إلى ظهور جيل جديد من رواد الأعمال المغاربة الذين استطاعوا اغتنام الفرص الاقتصادية المتاحة. هذه الحيوية توضح الإمكانات الكبيرة لمنظومة ريادة الأعمال الوطنية والأمل في تحقيق نمو مستقبلي مدفوع بالابتكار والاستثمار.
ومع ذلك، يجب التعامل مع هذا التفاؤل بحذر. فالحصول على رأس المال والائتمان لا يزال يشكل تحديًا كبيرًا بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد. كما أن تركيز الثروة قد يؤدي إلى تركيز القوة الاقتصادية، مما يحد من المنافسة ويجعل الصعود الاجتماعي أكثر صعوبة على رواد الأعمال الشباب والطبقة المتوسطة. لكي تستفيد هذه الدينامية الريادية من الجميع، من الضروري دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل الوصول إلى التعليم، وتهيئة بيئة مناسبة لتكافؤ الفرص.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال عدد 7500 مليونير في المغرب إلى مجرد رقم. إنه مرآة تعكس تحديات ونجاحات اقتصاد في طور التحول. ويكمن التحدي الرئيسي الذي يواجه المملكة الآن في قدرتها على تحويل هذا الثراء إلى محرك تنمية شاملة ومستدامة لجميع فئات المجتمع.










