دراسة استراتيجية لـ”رسم خريطة” الفساد في القطاع الصحي بالمغرب
طارق عفيف
تستعد الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها (INPPLC) لإطلاق دراسة واسعة النطاق لـ**”رسم خريطة”** دقيقة للفساد ومخاطره في القطاع الصحي المغربي. هذه الخطوة تأتي في إطار مساعي المملكة لتسريع تفعيل النموذج التنموي الجديد (NMD)، وتحقيق العدالة الاجتماعية وجودة الخدمات بحلول عام 2035.
أهداف الدراسة ومحاورها الأساسية
تهدف هذه الدراسة، التي تم إسناد مهمة إنجازها لمكتب “فورفيس مازارس” بكلفة تُقدر بـ2.3 مليون درهم مغربي (MDH)، إلى توفير رؤية شاملة وعميقة للظاهرة من أجل اقتراح حلول جذرية.
ستركز الدراسة على ثلاثة محاور رئيسية لتشمل القطاع الصحي بأكمله:
* خدمات الرعاية والعلاقة مع المواطن: تحليل أماكن الخلل والفساد في الخدمات اليومية المقدمة للمواطنين داخل المستشفيات.
* سلسلة قيمة المنتجات الصحية والقطاع الخاص: دراسة مكامن الهشاشة في توريد الأدوية والمستلزمات، وفي عمل القطاع الخاص.
* تنظيم المصحات والعيادات الخاصة: استهداف الفساد الصغير (الرشاوى اليومية) والفساد الكبير (المتعلق بالصفقات والتراخيص) في تنظيم هذا الجزء من القطاع.
تأتي هذه المبادرة متزامنة مع عملية إعادة تنظيم وهيكلة عميقة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، مما يعكس إرادة سياسية لمواكبة الإصلاحات.
الأهمية: تشخيص الداء لوصف الدواء
الهدف الأسمى من هذه الدراسة هو فهم ومكافحة الآفة التي تنخر القطاع، من خلال:
* تحديد الأسباب والمظاهر: السعي لمعرفة جذور الفساد وتأثيره المباشر على جودة الخدمات وشفافيتها وعدالة الوصول إليها.
* قياس النطاق والعمق: تحديد المناطق الأكثر عرضة للفساد وقياس وتيرة وشدة هذه الأفعال في كل جزء من النظام الصحي.
* اقتراح خطة عمل استراتيجية: بناءً على نتائج التشخيص، سيتم تقديم توجهات استراتيجية واقتراح آليات للمتابعة والتقييم، تتناسب مع نموذج الحكامة الصحية الجديد.
أرقام صادمة تكشف حجم التحدي
تستند هذه الدراسة إلى نتائج التحقيقات السابقة التي أجرتها الهيئة، والتي أكدت تفشي الظاهرة بشكل مقلق:
* انتشار الفساد: كشفت نتائج المسح الوطني حول الفساد (2022) أن 68% من المواطنين المقيمين و76% من المغاربة المقيمين بالخارج يرون أن الفساد في قطاع الصحة “منتشر أو منتشر جداً”.
* الرشاوى المدفوعة: صرّح 17% من مستعملي خدمات الصحة العمومية بأنهم دفعوا أو طُلب منهم دفع رشوة.
* موقع متقدم في الفساد: يحتل قطاع الصحة العمومية المرتبة الرابعة بين القطاعات الأكثر تعرضاً لطلب الرشاوى، بعد القوات المساعدة والدرك والشرطة.
* الاستسلام للطلب: الأرقام تشير إلى خطورة تقبّل الواقع، حيث وافق 57% ممن واجهوا طلباً للرشوة على دفعها في القطاع الصحي، بينما لم يقدم على تقديم شكوى سوى 3% فقط.
* رأي الفاعلين الاقتصاديين: 75% من رؤساء الشركات يرون أن الفساد في قطاع الصحة “منتشر جداً”، وهو شعور يزداد حدة لدى مسؤولي المقاولات الصغرى جداً.
تأثير الفساد المباشر على جودة الرعاية
تؤكد الهيئة أن الفساد يهدد جودة وكفاءة وإنصاف نظام الرعاية الصحية، ويتغذى من عدة عوامل أبرزها: تعقيد الإطار التنظيمي، تداخل وتعدد الفاعلين، وغياب المحاسبة، ونقص العرض العلاجي.
تتنوع أشكال الفساد من “الفساد الصغير” المرتبط بالرشاوى اليومية لضمان الخدمة، إلى “الفساد الكبير” الذي يطال الصفقات العمومية والتراخيص والقرارات الاستراتيجية، مما يعيق بشكل مباشر تحقيق الأهداف التنموية للبلاد.










