في سابقة قضائية تعيد التأكيد على مبدأ سيادة القانون وحماية الملكية الخاصة من أي تجاوز إداري، قضت المحكمة الإدارية بمدينة طنجة بإدانة جماعة مرتيل، في شخص رئيسها، وألزمتها بأداء تعويض مالي ثقيل يناهز 16 مليوناً و846 ألف درهم (أي أكثر من 1.6 مليار سنتيم) لفائدة شركة عقارية مالكة لعقار كائن بحي المطار بعمالة المضيق.
تعود أطوار الملف إلى سنة 2024، حين عمدت جماعة مرتيل إلى اقتطاع مساحة تُقدر بـ 8507 أمتار مربعة من العقار المملوك للشركة المدعية، بغرض إنجاز طريقين عموميين، وذلك دون سلوك المساطر القانونية الواجبة المتعلقة بنزع الملكية للمنفعة العامة وفق القانون رقم 7.11.
وقد لجأت الشركة المتضررة إلى القضاء، بعدما أثبتت من خلال خبرة ميدانية عقارية، أمرت بها المحكمة في دجنبر 2024، أن ما قامت به الجماعة يُشكل اعتداءً مادياً صريحاً على ملكية الغير، تم خارج أي قرار إداري مشروع أو إجراء قانوني معتمد.
أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن تصرف الجماعة غير مؤسس على أي سند قانوني، وأنه تسبب في أضرار جسيمة ومباشرة للمدعية، من بينها حرمانها من استغلال عقارها المخصص للبناء، بالإضافة إلى جعل جزء من الأرض، تبلغ مساحته 616 متراً مربعاً، غير صالح لأي استغلال، معتبرة ذلك “فقداناً فعلياً للملكية بحكم الواقع”.
كما أشار الخبير المكلّف بالمعاينة إلى أن الطرق المحدثة تخترق أجزاء من العقار لم تُدرج ضمن تصميم التهيئة لمدينة مرتيل، ما يجعل العملية خارج أي إطار تخطيطي أو قانوني معتمد من السلطات المختصة.
وبناءً على هذه المعطيات، اعتبرت المحكمة الإدارية بطنجة أن الجماعة ارتكبت اعتداءً مادياً محضاً، وأنه لا يمكن بأي حال تبرير نزع الملكية أو استغلال الأملاك الخاصة دون قرار معلن أو تعويض مسبق، لتقضي تبعاً لذلك بإلزام جماعة مرتيل بأداء تعويض مالي قدره 16.846.000 درهم لفائدة الشركة المالكة، مع تحميلها المصاريف القضائية.
يُعد هذا القرار القضائي رسالة واضحة إلى الجماعات الترابية والإدارات العمومية بضرورة الالتزام الصارم بالمساطر القانونية في تنفيذ المشاريع ذات النفع العام، وتذكيراً بأن الاعتداء على الملكية الخاصة يُعتبر جريمة قانونية حتى لو تم باسم المنفعة العامة.
كما يكرّس الحكم مبدأً دستورياً أساسياً ينص على أن الملكية الخاصة مصونة، ولا تُنزع إلا وفق الإجراءات التي يحددها القانون، ما يعزز الثقة في القضاء الإداري كمؤسسة ضامنة للحقوق، ويؤكد أن التنمية الحقيقية لا تُبنى على تجاوز القانون، بل على احترامه وتفعيله بعدالة وإنصاف.
بهذا الحكم، تكون المحكمة الإدارية بطنجة قد وجهت رسالة ردع قوية ضد أي استعمال تعسفي للسلطة المحلية، وأرست سابقة قانونية تكرّس مبدأ المسؤولية الإدارية الكاملة عن كل اعتداء مادي غير مشروع، حمايةً للملكية، وإنصافاً للمتضررين، وصوناً لهيبة دولة القانون.









