الدبلوماسية الأمريكية: ستون يوماً لإحلال السلام المغاربي بين الجزائر والمغرب  

ميلودة جامعي23 أكتوبر 2025آخر تحديث :
الدبلوماسية الأمريكية: ستون يوماً لإحلال السلام المغاربي بين الجزائر والمغرب  

 

الدكتور زكرياء بنعمر فارس

 

أطلقت الولايات المتحدة مبادرة دبلوماسية كبرى تهدف إلى إبرام اتفاق سلام احتفالي بين الجزائر والمغرب في غضون ستين يوماً. تسعى هذه الخطوة، التي يقودها المبعوث الأمريكي الخاص، إلى إنهاء قطيعة دبلوماسية طويلة الأمد تفاقمت بسبب النزاع حول قضية الصحراء الغربية. لا يقتصر الاتفاق المتوقع على المصالحة الرمزية، بل يشمل إعادة فتح السفارات والحدود البرية، وإطلاق مشاريع اقتصادية مشتركة، ووقف الحملات العدائية المتبادلة. ترى واشنطن في هذه المبادرة ضرورة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وحمايةً ضد النفوذ الأجنبي المنافس، واختباراً حاسماً لإرادة القوتين الإقليميتين لتجاوز الخصومات التاريخية نحو مستقبل من التعاون الاقتصادي والأمني.

تحليل ورهانات

أولاً. سياق القطيعة والاستعجال الأمريكي

تأتي المبادرة الأمريكية، التي كشف عنها المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، في سياق توترات ثنائية مستمرة بلغت ذروتها بقرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية في أغسطس 2021. ورغم تعدد الخلافات المعلنة، فإن جوهر النزاع يظل متمحوراً حول قضية الصحراء الغربية. تتمسك الرباط بسيادتها وتقترح الحكم الذاتي، بينما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو وتطالب بإجراء استفتاء.

وتعمل الولايات المتحدة، بوصفها فاعلاً استراتيجياً، على توظيف نفوذها لإحداث “اختراق دبلوماسي” في شمال إفريقيا. إذ ترى واشنطن أن استقرار المنطقة، ومكافحة التطرف، وموازنة التمدد الاقتصادي الصيني والروسي، مرهون بتحقيق مصالحة فعلية بين هاتين القوتين الإقليميتين.

ثانياً. محاور الاتفاق المقترح (خارطة طريق الـ 60 يوماً)

يتجاوز مشروع الاتفاق، الذي يتمحور حول “إعلان رسمي واحتفالي”، مجرد نوايا حسنة. وتتضمن نقاطه الحاسمة ما يلي:

* استعادة العلاقات المؤسسية: إعادة فتح السفارات فوراً واستئناف الاتصالات الدبلوماسية بشكل رسمي.

* تنظيم الحدود: إعادة فتح الحدود البرية المغلقة منذ عام 1994، بما يمثل عودة لحرية التنقل.

* التعاون الاقتصادي: إطلاق مشاريع استثمارية مشتركة، بدعم أمريكي، تهدف إلى خلق دينامية اقتصادية مغاربية جديدة.

* التهدئة الإعلامية: التزام صارم بوقف التصريحات العدائية والحملات الإعلامية المتبادلة.

يمثل اختيار فترة الستين يوماً ضغطاً محسوباً واختباراً للجدية، يهدف إلى استغلال المناخ الدولي الداعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع منح الجزائر فرصة لحفظ ماء الوجه عبر اتفاق يركز على المصالحة الشاملة دون الخوض المباشر في تفاصيل الصحراء.

ثالثاً. العقبات ورهان الثقة

على الرغم من أهمية التدخل الأمريكي، فإن طريق السلام لا يزال محفوفاً بالصعاب، ويعود ذلك أساساً إلى انعدام الثقة العميق المتبادل.

* عقدة الصحراء: تبقى قضية الصحراء هي مفتاح الحل والعقبة الأكبر. فالمغرب يتمسك بسيادته الكاملة، معتبراً الحكم الذاتي هو أقصى ما يمكن تقديمه. بينما ترفض الجزائر التخلي عن مطلب الاستفتاء وتصر على أن الحل يجب أن يمر عبر الأمم المتحدة.

* الإرث الإعلامي: يتأثر الرأي العام في كلا البلدين بشدة بالحملات الإعلامية المتبادلة، مما يجعل أي خطوة نحو التقارب محاطة بالحذر الشديد.

رابعاً. المنظور الإقليمي: رؤية لمغرب جديد

سيكون لنجاح هذه الوساطة الأمريكية تداعيات تاريخية واسعة:

* إحياء الاتحاد المغاربي: قد يفتح الباب أمام عودة الحياة لاتحاد المغرب العربي (UMA) بعد سنوات من الجمود.

* التكامل الاقتصادي: خلق فرص هائلة للتعاون في مجالات الطاقة والنقل والتجارة، مما يعزز التكامل الإقليمي.

* الأمن المعزز: تحسين الأمن الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل، عبر التنسيق بين القوتين.

 

يمثل المقترح الأمريكي أكثر من مجرد مبادرة عابرة؛ إنه اختبار لإرادة الطرفين السياسية. فالفشل سيعني هيمنة الإرث التاريخي على متطلبات المستقبل. أما النجاح، فإنه يعد بتحويل موازين الاستقرار في شمال إفريقيا برمتها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة