ذ.نسرين فارس
في تحول استراتيجي يهدف إلى القطع مع التدبير الظرفي لموسمية الشغل، شهدت العاصمة الرباط توقيع اتفاقية-إطار كبرى تجمع بين القطاعات الوزارية المعنية، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC)، والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (COMADER). وتأتي هذه الخطوة لترسيخ دعائم “الاستقرار المهني” في القطاع الفلاحي، وتحويله إلى خيار تشغيلي مهيكل وجذاب.
من “إدارة الأزمات” إلى “الاستباقية الاستراتيجية”
تضع هذه الاتفاقية حداً لأسلوب التدبير تحت ضغط الاستعجال الذي كان يطبع مواسم الحصاد والإنتاج. وبموجب هذا الإطار التعاوني الجديد، سيتم الانتقال نحو مقاربة استباقية وتشاركية تتيح للمشغلين والباحثين عن شغل رؤية واضحة المعالم، حيث يتم التخطيط للاحتياجات قبل بدء المواسم الفلاحية بوقت كافٍ، مما يضمن سلاسة الإنتاج واستقرار العمالة.
رقمنة الوساطة وشفافية التوظيف
أحد أبرز ركائز هذه الاتفاقية هو تعزيز دور “الوساطة المؤسساتية”. ومن خلال انخراط “أنابيك”، سيتم العمل على:
* هيكلة عمليات الاستقطاب: عبر آليات توظيف شفافة تضمن حقوق جميع الأطراف.
* تحسين المطابقة: الربط الدقيق بين العرض والطلب من خلال قاعدة بيانات محينة للمهارات المطلوبة في الضيعات ووحدات التثمين.
* إضفاء الطابع المهني: تنظيم المسارات المهنية للعمال الفلاحيين لضمان كرامتهم وتعزيز جاذبية القطاع للشباب.
تعزيز “القابلية للتشغيل”: التكوين كأساس للنمو
لا تتوقف الاتفاقية عند التوظيف المباشر، بل تمتد لتشمل رفع “القابلية للتشغيل”. فمن خلال التنسيق مع “كومادير”، سيتم تحديد الفجوات المهارية وتطوير برامج تكوينية ميدانية تتماشى مع التطور التكنولوجي الذي يشهده القطاع الفلاحي المغربي، مما يرفع من جودة المنتوج وتنافسية اليد العاملة الوطنية.
رؤية مشتركة لمستقبل العالم القروي
تعد هذه الاتفاقية-الإطار ثمرة حوار جاد بين الدولة والفاعلين المهنيين، وهي تندرج ضمن استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”. فالهدف النهائي هو خلق “طبقة وسطى فلاحية” قوية، تبدأ أولى خطواتها من تنظيم سوق الشغل وتوفير بيئة عمل قانونية ومنظمة تحمي الحقوق وتحفز على العطاء.
إن هذه الخطوة تمثل “ميثاقاً جديداً” للتشغيل الفلاحي، ينتقل بالقطاع من العفوية إلى الحكامة، ويؤسس لمرحلة يكون فيها “العنصر البشري” هو المحرك الفعلي للتنمية القروية المستدامة.









