بقلم الدكتور زكرياء بنعمر فارس
بينما تجتاز المملكة مرحلة دقيقة جراء التساقطات المطرية الاستثنائية التي شهدتها عدة أقاليم، تبرز الحاجة الملحة لتحويل هذه الأزمة إلى محطة فاصلة لتقويم الاختلالات الهيكلية. إن المشاهد المؤلمة في القصر الكبير والغرب وآسفي، رغم قساوتها، تفتح آفاقاً حقيقية لإعادة بناء نموذج تدبيري يزاوج بين اليقظة الميدانية والاستباقية السياسية، لضمان مغرب قوي بمؤسساته متلاحم بمواطنيه.
لم تكن السيول الجارفة التي اجتاحت مدينة القصر الكبير ومناطق أخرى من المملكة مجرد عارض مناخي عابر، بل جاءت لتضع “القدرة الاستباقية” و”سرعة الاستجابة” تحت مجهر المساءلة. وبينما أثبتت الدولة علو كعبها في إدارة الطوارئ عبر التعبئة الفورية للقوات المسلحة الملكية، والدرك، والأمن الوطني، والوقاية المدنية، والسلطات المحلية، يظل السؤال معلقاً حول الفجوة القائمة بين الكفاءة التقنية الميدانية والغياب السياسي في التواصل.
نجاعة التدخل الميداني وانحسار الخطاب السياسي
لقد أبانت السلسلة العملياتية للأجهزة الأمنية والترابية عن احترافية عالية في عمليات الإجلاء والإيواء، مما بعث رسائل طمأنة بوجود دولة حاضرة في عمق الأزمة. غير أن هذا الأداء المتميز اصطدم بصمت حكومي أثار تساؤلات المواطنين؛ فغياب التواصل المهيكل والوجود الميداني للمسؤولين السياسيين – خاصة في القطاعات الحيوية كالتجهيز والماء – خلق فراغاً نفسياً غذّى مشاعر القلق.
ورغم التدابير التقنية الضرورية التي باشرتها خلية اليقظة بوزارة التجهيز، لاسيما في تدبير السدود وتفريغ الحمولات الزائدة، إلا أن “التدبير التقني” لا يمكن أن يحل محل “البيداغوجيا السياسية” والمسؤولية المعنوية تجاه مواطنين يواجهون تبعات الفيضانات في حياتهم اليومية.
تصحيح المسار: من إدارة الأزمة إلى ثقافة الاستباق
إن تكرار هذه الفيضانات يكشف عن خلل بنيوي في التوسع العمراني داخل المناطق المهددة، وبطء في تنفيذ مشاريع الحماية من الفيضانات. فالمفارقة تبدو جليّة حين نرى ضياع مليارات الأمتار المكعبة من المياه نحو المحيط في وقت تعاني فيه البلاد من إجهاد مائي مزمن، مما يستدعي تسريع وتيرة “الطرق السيارة للماء” وتطوير البنية التحتية لتواكب التقلبات المناخية المتسارعة.
كما وضعت الأزمة الحالية قطاع التجهيز والفلاحة أمام تحديات حقيقية؛ فتعثر بعض القنوات المائية وانهيار طرق إقليمية دُشنت حديثاً – كما هو حال الطريق رقم 4704 – يفرض وقفة تأمل صارمة حول معايير الجودة والمراقبة. وفي القطاع الفلاحي، ينتظر الفلاحون والكسابة تدابير استعجالية ملموسة، تتجاوز الوعود التقنية إلى الدعم المالي المباشر وتوفير الأسمدة والأعلاف لإنقاذ الموسم الفلاحي.
فرصة للتجديد الوطني
إن النداءات الرامية إلى إعلان المناطق المتضررة “مناطق منكوبة” تهدف بالأساس إلى تفعيل آليات صندوق الآفات الكارثية، وهو ما يمثل فرصة للدولة لتكريس قيم التضامن الوطني وتحويل المعاناة إلى قوة دافعة للإصلاح. إن المقارنة مع التجارب الدولية الناجحة، كما في البرتغال، تذكرنا بأن الفارق لا يكمن فقط في الإمكانيات المادية، بل في ترتيب الأولويات وترجمة التضامن إلى قرارات سيادية نافذة.
نحو رؤية مستقبلية متكاملة
إن اللحظة الراهنة، رغم ما تحمله من آلام، هي فرصة تاريخية للمغرب لتصحيح المسار. إن بناء مغرب قوي يتطلب الانتقال من “رد الفعل” إلى “الفعل الاستباقي”، ومن “الصمت السياسي” إلى “المشاركة المواطنة”. إن الرهان اليوم ليس فقط في كيفية إدارة الفيضان القادم، بل في بناء نموذج تنموي يجعل من سلامة المواطن وكرامته حجر الزاوية، لتظل المملكة حصناً منيعاً في وجه العواصف، متسلحة بإرادة الإصلاح وروح التضامن.










