الاحترافية: هل نضحي بالصحة النفسية للاعبين على مذبح “الرزنامة الجامدة”(programmation fixe)؟

ميلودة جامعي4 مارس 2026آخر تحديث :
الاحترافية: هل نضحي بالصحة النفسية للاعبين على مذبح “الرزنامة الجامدة”(programmation fixe)؟

 

بقلم: الدكتور زكرياء بنعمر فارس – كوتش مونطال

 

بينما تتجه الأنظار نحو الملاعب الوطنية لمتابعة إثارة “البطولة برو”، يبرز سؤال جوهري يطرح نفسه بحدة خلف الكواليس: إلى أي حد يمكن لأجساد وعقول لاعبينا تحمل ضغط برمجة “مباراة كل ثلاثة أيام”؟

 

إن الإصرار على استكمال أجندة مباريات مكثفة، دون اعتبار جدي لسلامة اللاعبين النفسية والبدنية، بات يشكل العائق الأكبر أمام طموحنا في بلوغ الاحتراف الحقيقي الذي ننشده.

 

البرمجة “الجحيمية”: استنزاف للجسد وتجاهل للعقل

 

يعاني اللاعب المغربي اليوم من ضغط غير مسبوق؛ فالتنقل المستمر، وتلاحم المباريات بين البطولة الوطنية والمسابقات القارية، يحول الرياضي من إنسان مبدع إلى “آلة” مطالبة بالعطاء المستمر. لكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الاسترجاع (La récupération) ليس مجرد تدليك أو حمام ثلج، بل هو عملية متكاملة تبدأ من الراحة الذهنية وتنتهي بجودة النوم والتغذية.

 

ما تغفله العصبة الوطنية والعديد من الأندية هو “الإرهاق النفسي”. فالضغط الجماهيري، والتوتر الناتج عن السفر، والعيش تحت وطأة النتائج الفورية دون فترات نقاهة ذهنية، يؤدي حتماً إلى “الاحتراق الرياضي” (Burnout)، مما يفسر تراجع مستوى الأداء في اللحظات الحاسمة.

 

حلقة مفقودة في لغز “الكان”: دروس من الخسارة

 

ليست خسارة نهائي كأس أمم إفريقيا على أرضنا إلا “المرآة” التي تعكس الخلل في منظومتنا. فالفوز بالألقاب الكبرى لا يتطلب فقط الموهبة والخطط التكتيكية، بل يحتاج إلى لاعبين في قمة صفائهم الذهني وجاهزيتهم البدنية. عندما يدخل اللاعب المنافسات القارية وهو مستنزف من “برمجة ترقيعية” محلياً، فإنه يفقد تلك “الشرارة” اللازمة للحسم. إنها القطعة المفقودة في أحجية (puzzle) كرة القدم المغربية التي تمنعنا من مضاهاة القوى الكروية العظمى.

 

توصيات مستعجلة: خارطة طريق لإنقاذ “رأس مالنا” البشري

 

للانتقال بكرة القدم الوطنية من الهواية والاحتراف الحالي إلى الاحتراف الفعلي، يجب تبني إجراءات شجاعة وفورية:

* ثورة في البرمجة: اعتماد رزنامة (calendrier) مرنة تحترم فترات الراحة البيولوجية (72 ساعة كحد أدنى بين المباريات)، بصفة استثنائية وليس على مدى عدة اشهر ، مع مراعاة خاصة للأندية التي تمثل المغرب قارياً.

* إلزامية “الخلية النفسية”: فرض وجود أخصائيين في الكوتشينغ الذهني الرياضي ضمن الأطقم التقنية لكل أندية القسم الأول والثاني، تماماً كما هو الحال في الدوريات الأوروبية والعالمية المحترمة.

* تطوير مراكز الاسترجاع: تشجيع الأندية على الاستثمار في تكنولوجيا الاسترجاع البدني والذهني الحديثة، وعدم اعتبارها “كماليات”.

* توعية اللاعبين: تنظيم دورات تكوينية للاعبين حول “نمط الحياة الاحترافي”، وكيفية تدبير الضغط الذهني خارج المستطيل الأخضر.

* توسيع قاعدة البدلاء: تشجيع المدربين على سياسة “المداورة” (Rotation) الذكية لحماية الركائز الأساسية من الإصابات العضلية الناتجة عن الإجهاد.

 

إن كلفة تجاهل الصحة العقلية والذهنية والبدنية للاعبين أغلى بكثير من كلفة تأجيل مباراة أو تعديل برمجة. إذا أردنا حقاً أن يظل العلم المغربي شامخاً في المحافل الدولية، علينا أولاً أن نهتم بالإنسان خلف القميص.

وفي الختام يجب ان نرجع المقولة الشهيرة للفيلسوف والاقتصادي جان بودان عام 1577 والتي قال فيها “Il n’est de richesses que d’hommes’’ لاثروة بدون الرجال”. و تعني المقولة أن القوة الحقيقية وثروة الدولة لا تكمن في المال، بل في عدد وكفاءة سكانها. وبالنسبة لكرة القدم فالثروة تكمن في كفائات لاعيبنا الثقنية ، التاكتكية ، البدنية والذهنية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة