بقلم الدكتور زكرياء فارس
دخل القانون رقم 59.24 المتعلق بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار حيز التنفيذ رسمياً بعد نشره في الجريدة الرسمية خلال شهر مارس 2026، في خطوة تشريعية ينتظر أن تعيد رسم ملامح الجامعة المغربية وتفتح مرحلة جديدة من الإصلاحات الهيكلية في قطاع التكوين والبحث العلمي.
ويأتي هذا القانون ليعوض الإطار التشريعي السابق، أي القانون رقم 01.00 المتعلق بالتعليم العالي، الذي ظل يؤطر عمل الجامعات المغربية لأكثر من عشرين سنة، حيث تسعى السلطات من خلال النص الجديد إلى تحديث المنظومة الجامعية ومواكبة التحولات الاقتصادية والعلمية التي يعرفها العالم.
لم يكن إخراج هذا القانون إلى حيز التنفيذ أمراً سهلاً، إذ عرف نقاشاً واسعاً داخل البرلمان والوسط الجامعي، ورافقته مواقف متباينة بين الجهات الحكومية والهيئات النقابية والطلابية. وقد تمحورت أبرز النقاط الخلافية حول قضايا الحكامة الجامعية، واستقلالية المؤسسات، وتمثيلية الأساتذة والطلبة داخل المجالس التقريرية، إلى جانب مستقبل البحث العلمي وآليات تمويله.
ويرى متابعون أن المصادقة النهائية على القانون تعكس توجهاً رسمياً نحو جعل الجامعة أكثر ارتباطاً بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، بما ينسجم مع الاستراتيجيات الوطنية للتنمية والتحول الرقمي.
ويحمل القانون الجديد مجموعة من المستجدات التي تستهدف تحديث أنماط التكوين داخل الجامعات، من بينها إقرار التعليم عن بعد والتعليم التناوبي كمسارات معترف بها رسمياً، بما يتيح للطلبة مرونة أكبر في متابعة دراستهم ويقرب التكوين الجامعي من محيطه المهني.
كما يتضمن النص مقتضيات جديدة لإعادة تنظيم الحكامة الجامعية، عبر إحداث هياكل استشارية واستراتيجية تهدف إلى تعزيز التخطيط والتنسيق بين مختلف الفاعلين في قطاع التعليم العالي.
ومن بين أبرز التوجهات أيضاً تشجيع الشراكات بين الجامعات والقطاعين الاقتصادي والخاص، إضافة إلى فتح المجال أمام مؤسسات تعليمية دولية لإقامة فروع لها بالمغرب وفق ضوابط محددة، في إطار تعزيز الانفتاح الأكاديمي والتبادل العلمي.
ويولي القانون أهمية خاصة لمسألة الجودة داخل المؤسسات الجامعية، حيث ينص على اعتماد آليات دورية لتقييم البرامج والمؤسسات، بما يضمن ملاءمة التكوينات مع متطلبات سوق الشغل والتحولات التكنولوجية.
ويُنتظر أن يساهم هذا التوجه في تعزيز دور الجامعات كمحرك للابتكار والبحث العلمي، خاصة في المجالات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيات الحديثة.
ورغم أهمية هذه الإصلاحات، يؤكد عدد من المراقبين أن التحدي الحقيقي سيظل مرتبطاً بمدى نجاح الجامعات في تنزيل مقتضيات القانون على أرض الواقع، خصوصاً في ظل التفاوت في الإمكانيات المالية والبشرية بين المؤسسات.
كما تظل بعض القضايا محل متابعة من قبل الفاعلين الجامعيين، من بينها شروط الولوج إلى بعض المسالك، ونظام الدعم الاجتماعي للطلبة، والحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص داخل التعليم العالي.
وبدخول القانون رقم 59.24 حيز التنفيذ، تكون الجامعة المغربية قد دشنت مرحلة جديدة من التحول المؤسسي، يُراهن عليها لتعزيز دور التعليم العالي في دعم التنمية الوطنية وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار في أفق السنوات المقبلة.









