بقلم: نسرين فارس
منذ تعيينها وزيرة للانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في حكومة عزيز أخنوش في أكتوبر 2021، برز اسم ليلى بنعلي كأحد أبرز الوجوه التقنية التي تقود تحولاً استراتيجياً في قطاع حيوي بالنسبة للمملكة. فهذه المسؤولة التي تجمع بين الخلفية الهندسية والخبرة الاقتصادية الدولية، استطاعت أن تتحول في ظرف وجيز إلى فاعل محوري في رسم ملامح السياسة الطاقية المغربية، في سياق عالمي يتسم بالتقلبات والرهانات الجيوسياسية المتزايدة.
لا تندرج تجربة ليلى بنعلي ضمن المسارات التقليدية في العمل الحكومي، بل تنبع من مسار أكاديمي ومهني متنوع جمع بين البحث العلمي والعمل داخل مؤسسات مالية وطاقية دولية. فقد راكمت خبرة معتبرة في تحليل أسواق الطاقة وتقييم المشاريع الاستراتيجية، ما منحها رؤية دقيقة لطبيعة التحولات التي يعرفها القطاع الطاقي عالمياً.
هذه الخلفية المتعددة الأبعاد مكنتها من التعامل مع ملفات معقدة بلغة تقنية دقيقة، تجمع بين الحسابات الاقتصادية الصارمة ومتطلبات الانتقال البيئي، وهو ما جعل حضورها داخل الحكومة يتجاوز الطابع التدبيري التقليدي إلى مستوى التفكير الاستراتيجي بعيد المدى.
تولت بنعلي مسؤولية قطاع الطاقة في لحظة دقيقة من تاريخ الاقتصاد العالمي، تميزت بارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل التوريد الدولية. وفي هذا السياق، سعت إلى تعزيز الخيارات الاستراتيجية للمغرب عبر تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر، باعتبارها رافعة جديدة للسيادة الطاقية.
كما عملت على تحديث المنظومة القانونية المؤطرة للقطاع، بهدف خلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات، وتعزيز قدرة المغرب على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالطاقة النظيفة.
ضمن الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها المملكة، لم يعد ملف الطاقة مجرد قطاع اقتصادي، بل تحول إلى قضية سيادية مرتبطة بالأمن الطاقي والاستقلال الاقتصادي. وفي هذا الإطار، تسعى السياسات التي تقودها الوزارة إلى تقليص الاعتماد على الطاقات الأحفورية المستوردة، مقابل تعزيز إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة مثل الشمس والرياح.
ويأتي هذا التوجه في انسجام مع المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في مجال الطاقة النظيفة، وعلى رأسها مركب مجمع نور للطاقة الشمسية بمدينة ورزازات، الذي يعد من بين أكبر المشاريع الشمسية في العالم، ويشكل نموذجاً للانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
يمثل حضور ليلى بنعلي على رأس هذا القطاع الحيوي نموذجاً لتطور دور المرأة المغربية في مواقع القرار، خصوصاً في مجالات تقنية كانت إلى وقت قريب حكراً على الرجال. فقد استطاعت أن تفرض نفسها كصوت مهني يعتمد على المقاربة العلمية والاقتصادية في تدبير الملفات الكبرى.
هذا الحضور يعكس أيضاً التحولات التي يعرفها المشهد المؤسساتي في المغرب، حيث أصبحت الكفاءة والخبرة التقنية معيارين أساسيين في اختيار المسؤولين القادرين على قيادة المشاريع الاستراتيجية.
اليوم، تبدو معركة الانتقال الطاقي في المغرب جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر استدامة وتنافسية. وفي قلب هذه المعادلة، تبرز ليلى بنعلي كأحد العقول التقنية التي تعمل على هندسة هذا التحول، من خلال ربط الاستثمار الطاقي بالأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وبين رهانات السوق العالمية ومتطلبات التنمية الوطنية، يواصل المغرب شق طريقه نحو ترسيخ موقعه كفاعل إقليمي في الطاقات النظيفة، في مسار يتطلب قيادة تقنية دقيقة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.










