الدار البيضاء: هل تحولت “المدينة الذكية” إلى حلبة للمصارعة الحضرية؟
بقلم: أنيسة مكوار صنهاجي
ليس هذا مجرد مقال، بل هو “دليل بقاء” في بيئة حضرية باتت توصف بالعدائية، وصرخة قلب نوجهها إلى القائمين على تدبير شؤون حواضرنا. ففي الوقت الذي نتحدث فيه عن التحديث والرقمية، يجد البيضاوي نفسه يومياً أمام اختبارات حقيقية تتطلب مهارات خارقة بمجرد خروجه من عتبة بيته.
فن “النجاة” في شوارع البيضاء
لا بد لنا بدايةً من تحية تلك “المرونة الأسطورية” التي يتمتع بها سكان الدار البيضاء، سواء كانوا خلف المقود أو يسيرون على أقدامهم. في هذه المدينة، لم تعد القيادة مجرد وسيلة تنقل، بل تحولت إلى “رياضة قتالية” بامتياز، أما المشي في أرصفتنا، فقد أضحى عرضاً بهلوانياً يحبس الأنفاس.
تتجول في شوارعنا وكأنك في رحلة “سافاري” مفتوحة؛ هنا “تريبورتور” يتحدى قوانين الجاذبية، وهناك دراجات التوصيل التي تشق طريقها بتهور يثير رعب طياري النفاثات. يظهرون فجأة وكأنهم يمتلكون خاصية “الانتقال الآني”، ولولا عناية القدر لربما استعمروا الفضاء الخارجي بسرعتهم الجنونية.
أما المشاة، فإن صمودهم يستحق ميدالية أولمبية. فبين بالوعات الصرف الصحي المفتوحة كالأفواه الجائعة، والأرصفة ذات الارتفاعات المتغيرة، يتحول كل مشوار إلى تمرين شاق للكاحلين واختبار دقيق للملاحظة البصرية. إن العودة إلى البيت “في قطعة واحدة” باتت تعتبر إنجازاً يستوجب الحمد والامتنان.
سيكولوجية البيضاوي: التناقض العجيب
يعيش المواطن البيضاوي مفارقة غريبة في سلوكه اليومي:
* حين يتعلق الأمر بذاته: يرى أن الوقوف في “صف ثالث” أو السير في الاتجاه الممنوع ليس خرقاً للقانون، بل “ذكاءً استراتيجياً” لاختصار الوقت، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بشراء الخبز. هو في نظره “مخطط” وليس فوضوياً.
* حين يتعلق الأمر بالآخر: يتحول فوراً إلى قاضٍ صارم، فيصف الآخر بأنه “عديم التحضر” ويستحق النفي الفوري من المدينة.
ولا يمكننا إغفال “شعراء الطريق” من سائقي سيارات الأجرة، الذين يعتبرون أضواء تغيير الاتجاه مجرد زينة اختيارية، والتوقف المفاجئ في قلب المدارة شكلاً من أشكال التعبير الفني الحر.
خارطة طريق نحو مدينة قابلة للحياة
إن الوعود بإنشاء الحدائق الغناء والشوارع الفسيحة تظل ناقصة ما لم تقترن بانضباط حقيقي يُطبق برفق ولكن بحزم. ولتحويل الدار البيضاء إلى “جوهرة” حقيقية، نقترح المحاور التالية:
* إعادة الاعتبار لسلطة القانون: تفعيل العقوبات الزجرية (المحجز، سحب الرخص، الغرامات) لتذكير الجميع بأن مدونة السير ليست نصاً أدبياً للمطالعة، بل هي قواعد للحياة والنجاة.
* مدرسة الاحترام والتربية المدنية: زرع قيم المواطنة منذ الصغر، ليعلم الجيل الناشئ أن الرصيف للمشاة، وليس مرآباً للدراجات أو امتداداً عشوائياً للمقاهي.
* دور الإعلام وصناعة الوعي: كما ننتج مسلسلات رمضانية، علينا إنتاج كبسولات تعليمية مبتكرة حول “فن العيش المشترك” وكيفية تقاسم الطريق بمسؤولية.
* مسؤولية المؤثرين: حشد طاقات صناع المحتوى لخدمة قضايا مدينتهم عبر نشر رسائل توعوية تصل لقلب الشباب وتغير سلوكياتهم.
ختاماً، لنعد الدار البيضاء إلى أهلها الحقيقيين؛ أولئك الذين يحبونها بصدق ولا يساهمون في اختناقها. وإلا، فإن العيش فيها سيصبح قريباً مستحيلاً، إلا لمن يملك ميزانية “سيارة مصفحة” وواقيات ركبة احترافية.
رسالة وصلت.. مع كامل الود والفكاهة السوداء.









