سقطة دبلوماسية في ملعب السياسة  

ميلودة جامعي11 أبريل 2026آخر تحديث :
سقطة دبلوماسية في ملعب السياسة  

 

 

بقلم: عبد العالي مسار

 

أثار التصريح الأخير للوزير الأول السنغالي، الذي أشار فيه إلى أن القارة الإفريقية تضم “55 دولة”، موجة عارمة من الجدل في الأوساط الدبلوماسية والسياسية. هذا الرقم، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بكيان “البوليساريو”، وهو ما اعتبره مراقبون “زلة لسان” غير محسوبة، أو ربما مناورة سياسية تتناقض جملة وتفصيلاً مع المواثيق التاريخية والواقعية التي تربط داكار بالرباط.

 

من “المستطيل الأخضر” إلى كواليس الدبلوماسية

 

لا يمكن قراءة هذا التصريح بمعزل عن سياقه المباشر المرتبط بتوترات رياضية أعقبت مباراة في كرة القدم. لكن، وبشكل مفاجئ، انتقل النقاش من “روح الرياضة” إلى “تعقيدات السياسة”. إن محاولة استغلال ملف سياسي بحجم قضية الصحراء المغربية للرد على قرار رياضي سيادي وقانوني، يطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات الحقيقية لهذا التوجه.

وكانت اللجنة المختصة قد حسمت الجدل الرياضي بإعلان المغرب فائزاً بعد انسحاب الطرف المنافس، وهو قرار تقني صرف يستند إلى لوائح الاتحاد القاري، ولا يحتمل أي تأويلات سياسية أو محاولات للضغط والابتزاز.

 

تناقض صارخ مع “واقع القنصلية” والمصالح المشتركة

 

ما يثير الاستغراب في هذا الموقف هو حجم التناقض الصارخ مع السياسة الرسمية للجمهورية السنغالية؛ فالسنغال ليست مجرد حليف عادي للمغرب، بل هي دولة كانت سباقة لترسيخ اعترافها بمغربية الصحراء من خلال:

 

افتتاح قنصلية عامة في مدينة الداخلة: وهي خطوة سيادية تُعد أرقى أشكال الاعتراف الدبلوماسي بمغربية الأقاليم الجنوبية.

الشراكة الاقتصادية: حيث تُعد السنغال وجهة رئيسية للاستثمارات المغربية، وتربط البلدين اتفاقيات استراتيجية في قطاعات التنمية، والتمويل، والأمن الروحي.

”إن المصالح العليا للدول لا تُبنى على انفعالات ظرفية، بل على رؤى استراتيجية ثابتة، وهو ما يبدو أن التصريح الأخير قد حاد عنه.”

 

المغرب.. ثبات الموقف في وجه الابتزاز

 

يتحرك المغرب اليوم على الساحة الدولية بنفَس هادئ وواثق، مستنداً إلى دعم دولي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومدعوماً بقرارات أممية واضحة تضع النزاع في إطاره الحقيقي.

 

إن محاولة استخدام لغة “الأرقام الملغومة” (مثل الإشارة إلى 55 دولة بدلاً من 54 دولة معترف بها في سياق الأمم المتحدة) لن يغير من الواقع شيئاً، ولن يؤثر على المسار الذي تسلكه الدبلوماسية المغربية. بل على العكس، قد ترتد هذه المناورات سلباً على أصحابها، لأنها تضرب مصداقية المواقف الرسمية وتخلق نوعاً من الضبابية في العلاقات الثنائية القائمة على الوضوح.

 

بين الانفعال العابر والرصانة الدبلوماسية

 

في نهاية المطاف، يبقى من الضروري التمييز بين “حمى الملاعب” وبين المواقف التي تُبنى عليها مصائر الدول. الرهان الحقيقي اليوم ليس في تسجيل نقاط إعلامية عابرة أو إرضاء جهات معينة عبر تصريحات فضفاضة، بل في الحفاظ على علاقات رصينة تقوم على الاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات السيادية.

إن القفز فوق الحقائق التاريخية والجغرافية من أجل “مناكفة رياضية” هو انزلاق لا يخدم مصالح داكار، ولا يتماشى مع عمق الروابط التي تجمع بين الشعبين المغربي والسنغالي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة