مادام لباسي به جيوب ولو فارغة فأنا لست ميتاً لأن الكفن بلا جيوب،

Mekki Sebai25 مايو 2026آخر تحديث :
مادام لباسي به جيوب ولو فارغة فأنا لست ميتاً لأن الكفن بلا جيوب،

مادام لباسي به جيوب ولو فارغة فأنا لست ميتاً لأن الكفن بلا جيوب،
خاطرة بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير ،ماي ،2026.
​يسكنني وليٌّ يتصارع مع عاصٍ، يسكنني إيمان يقاومني وأنا العاصي. يسكنني إنسان، بل أنا إنسان لي نفس تجرّني إلى المعاصي، وروح تحرس قلعة إيماني.
​كلما اقتنعت بالوليِّ الذي بداخلي، كلما هجرت الناس إلا مَن أحمل رسالة خدمتهم، وتبقى رجلاي على الأرض وقوفاً للصلاة، وجرياً وراء أسباب الرزق، ومشياً متأملاً.
ليست لي أجنحة لأطير، ولكن لي ذراعان للعمل وكفان للدعاء؛ فتهمس لي النفس أن العاصين يركبون أجنحةً تطير بهم إلى العوالم المحرمة بحلاوتها وشغفها وجاذبيتها، مهما كان ذنبها كبيراً أو صغيراً.
​ولأن للملائكة أجنحة، فكلما غذّيت الولي الذي بداخلي، كلما كبرت في ملكوت الله، فأرى ما لا يمكن أن يراه غيري، فلكل واحد منا رؤياه الخاصة.
يقولون إن الفرق بين الإنسان والملائكة أنهم لا يذنبون، ونحن نذنب منذ الخطيئة الأولى لأبينا آدم وأمنا حواء على حد سواء، لكن الولي الذي بداخلي قد يفسح لي فسحة ذنوب هي من إنسانيتي وكينونتي، لكنه يمنعني عن السيئة؛ تلك التي تعني الإساءة لمخلوقات الله كيفما كانت، وأينما كانت، وفي كل وقت وحين.
​آفة الإنسان الإساءة التي تجر صاحبها إلى السيئة والمعصية والنفس الأمارة بالسوء. يوهمك الشيطان أنك تطير وأنك مميز، لكنك في وسط الطريق تدرك أنك مجرور، لا تستطيع الوقوف للصلاة، ولا الجري وراء الرزق الحلال (وإن كان الأصل في الرزق الحلال، وما دونه ابتلاء مال)، ولا المشي لتتأمل حالك، وتراجع أحوالك، وتعرف مآلك.
​الله لا يراقبك، الله يراك وأنت لا تراه، وحده الإنسان هو من يراقب الإنسان؛ لذلك تجده حريصاً على هيئته التي يراقبها الناس، مع أنه لا يساوي مثقال حبة رمل في هذا الكون الفسيح.
ومن رحمة الله على الإنسان أن الرحمن يخفي عن الناس ما في صدور خلقه تجاه بعضهم البعض.
​الولي رحمة، مرشد ودليل، إن زرعه الله في داخلك كنت له خير راعٍ لمخلوقاته، وخير ذاكرٍ لأفضاله، وهو وريث لأنبيائه. والإنسان جهول كفور لأنه قبل بالأمانة ولم يصنها، فيمكر ويهجر الصراط المستقيم.
​كل من يعاديني لا أعاديه، فهو ابتلاء في هيئة إنسان، وكل من يكرهني أحبه لأن فطرة الإنسان المحبة، وفطرة الشيطان الكراهية، وكل من يحاربني لا أحاربه؛ فإن كان سبباً نزل عليّ بأمر الله قدري على يده، فليسمِّه انتصاراً وليسمِّه الناس هزيمة لي، لكنني أسميه ابتلاء.
​أضع يدي في جيبي فلا أجد مالاً، فلا أحزن؛ لأن من ملأ هذا الجيب مالاً وأفرغه يستطيع أن يعيد ملأه، وهو الله ما دمت صرفته فيما ليس فيه معصية.
ومادام لباسي به جيوب فأنا لست ميتاً، ولباسي ليس كفناً بلا جيوب، ومادمت حياً فلله حكمة: إما أن أكون من الخيرين وحسني السبيل، أو أكون فيما قدر الله لي عبرة للخيرين من بعدي.
​بداخلي وليّ يقول لي: اخرج إلى الناس وانشر عطرك بينهم، ولو كانت عملة الناس المال فلا تأبه لفراغ جيبك منها، فالقناعة التي في عيونك تريك الجنان والرياحين، وتجعلك جليس الأنبياء والعلماء الذين يخشون الله وماتوا على ذلك.
​يا الله! كم هي قوية وعظيمة وجسيمة تلك المسؤولية: ((إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين)).
إنها الروح من أمر ربي، زرعها فيّ بالنفخ، فإن صنتها نجوت من كفر يريد أن يزرعه فيّ الشيطان.
​والحمد لله على نعمة الولي الذي بداخلي؛ صوته روح، وسمعه روح، وكل أحاسيسه روح، وذاك مسلك الأولياء، مسلك الرحمن، مسلك الصراط المستقيم.
​بوركت أرواحكم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة