حافظ الأسد الذي لم يكن أسدا إتجاه الأسود المغاربة.

Mekki Sebai26 مايو 2026آخر تحديث :
حافظ الأسد الذي لم يكن أسدا إتجاه الأسود المغاربة.

حافظ الأسد الذي لم يكن أسدا إتجاه الأسود المغاربة.
قبل رحيل شهر ماي ، دعونا نتذكر ما حدث في مثل هذا الشهر للتجريدة العسكرية المغربية في الجولان!!!؟؟:
بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير،ماي،2026.
منذ أن وضعت حرب أكتوبر عام 1973 أوزارها، ظلت صفحاتها مليئة بالبطولات والأسرار، غير أن ثمة صفحة مطوية في كتاب هذه الحرب تكاد تكون الأشد قسوة وغموضاً؛ وهي قصة التجريدة العسكرية المغربية على الجبهة السورية.
تبدأ الحكاية قبل اندلاع الرصاص بأربعة أشهر، تحديداً في مايو من عام 1973، حين طلب الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من العاهل المغربي الملك الحسن الثاني إرسال قوات للمشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة.
ولم يكن قرار الملك الراحل مجرد مناورة بروتوكولية، بل بعث بستة آلاف جندي مغربي مؤكداً لنظيره السوري أن هذه القوات ليست لتبادل الخبرات فحسب، بل هي تحت تصرف القيادة السورية كأنها جزء من جيشها، متى ما تقرر خوض معركة التحرير.
وصل الجنود المغاربة إلى دمشق في يونيو، وانتظموا في تدريبات مكثفة تحت قيادة اللواء المغربي عبد السلام الصفريوي.
ومع انقضاء فصل الصيف وبداية الخريف، جاءت لحظة الحسم التاريخية مع العبور المصري لقناة السويس، لتبدأ الجبهة الشمالية في الجولان والقنيطرة والشيخ بالاشتعال، وتجد القوات المغربية نفسها في قلب أتون المعركة.
لكن منذ اللحظة الأولى، بدأت تلوح في الأفق علامات استفهام غامضة أثارت دهشة الجنود؛ إذ تم تزويد التجريدة المغربية بتسليح غريب وضئيل لا يتناسب وحجم المعركة، تمثل في المدافع الآلية وقذائف البازوكا والقنابل اليدوية فقط، وحُرموا من الدعم الثقيل لسبب ظل مجهولاً.
رغم هذا النقص الحاد في العتاد، استبسل المغاربة في القتال وسطروا ملائم صمود مذهلة ضد القوات الإسرائيلية، غير أن مجريات الحرب أخذت منعطفاً أكثر غموضاً عندما انسحبت القوات السورية فجأة من المواقع المحاذية للمغاربة، تاركة إياهم في مواجهة منفردة لصد الزحف الإسرائيلي.
نجح المغاربة في الصمود حتى وصلت القوات العراقية التي اشتبكت بضراوة لحماية عمق العاصمة دمشق من الاختراق، حيث كان وصول ولو دباباة واحدة للعدو إلى قلب العاصمة كفيلاً بانهيار الروح المعنوية وإحباط الجبهة بأكملها.
وفي تلك الأثناء، اتخذ القائد المغربي الصفريوي قراراً عسكرياً بالغ الخطورة يرى أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، لتتقدم قواته نحو هضبة الجولان المحتلة بهدف تحريرها، معتمداً على شجاعة رجاله وبنادقهم وبازوكا بدائية يواجهون بها تحصينات العدو ودباباته.
أثمرت هذه الجسارة المغربية تراجعاً ملحوظاً للمشاة الإسرائيليين، وعندما تقدمت مدرعات العدو، كان الجنود المغاربة يقتحمونها ببسالة ويلقون بالقنابل اليدوية داخل أبراجها.
وفي غمرة هذا التقدم، دفع الصفريوي بالعقيد عبد القادر علام إلى جبهة القنيطرة لمساندة السوريين والعراقيين، ونجحوا معاً في استعادتها. ومع اقتراب المغاربة من تحقيق نصر استراتيجي في الجولان، أرسل الصفريوي نداءات استغاثة متكررة للقيادة السورية طالباً دعماً جوياً يحمي ظهره المكشوف لتأمين التقدم، وفي خطوة انتحارية واصل رجاله الزحف بلا غطاء جوي منتظرين المدد، ليأتي الرد فوق رؤوسهم غائباً من دمشق، وحاضراً عبر أسراب من الطائرات الحربية الإسرائيلية التي بدأت تحصد الأبطال المغاربة من السماء، وسط قصف مدفعي وهجوم مشاة مكثف في مشهد كابوسي أشبه بملحمة “إسبرطة” التاريخية.
أمام هذه المذبحة الحقيقية وغياب أي إسناد، اضطر اللواء الصفريوي لإصدار أمر الانسحاب بعد أن قدم رجاله تضحيات جسيمة. في تلك الأثناء، كان الملك الحسن الثاني يحاول جاهداً التواصل مع القيادة المصرية لإرسال جبهة إسناد أخرى إلى مصر بعد علمه بخلو الجبهة هناك من قوات عربية وازنة باستثناء سرب الهنتر العراقي، ونظراً لتنقل الرئيس المصري أنور السادات وقادته المستمر بين الجبهات، لم يفلح التواصل الدبلوماسي إلا في الرابع والعشرين من أكتوبر، حيث وافق السادات على استقبال خمسة آلاف جندي مغربي عقب خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار الأول، غير أن وصولهم في الثامن والعشرين من أكتوبر تزامناً مع وقف إطلاق النار الثاني حال دون مشاركتهم في القتال هناك.
عادت التجريدة المغربية من سوريا بعد أن تركت خلفها مئات الشهداء والعديد من المصابين بإعاقات دائمة، دون أن يجدوا إجابة شافية لسؤال واحد:
لماذا تخلت عنهم القيادة السورية في ذروة المعركة؟
ومع مرور السنين وتغير المواقف السياسية، بقيت قصة هؤلاء الجنود الشجعان طي الكتمان، وتعددت التكهنات حول ما جرى؛ بين فرضيات تتحدث عن تخبط عسكري في القيادة السورية، أو ذعر أصاب مراكز القرار بعد إعلان إسرائيل حالة التأهب النووي، أو سوء تنسيق ميداني.
ء لكن المؤكد في النهاية أن هؤلاء الأبطال الذين كرمهم العاهل المغربي لاحقاً، واجهوا مصيراً مجحفاً في سجلات الميدان السوري، حيث طواهم النسيان تحت لقب مقبض حزين خلفته الأوراق الرسمية هناك: “التجريدة المغربية المنسية”؛ جنود شجعان، قاتلوا في صمت، ورحلوا في صمت.
فهل تعتبرون ؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة