قمة المغرب وفرنسا: حكاية “ثأر” كروي بملامح مختلفة وطموحات متجددة
بقلم الدكتور زكرياء بنعمر فارس
في مشهد يعيد للأذهان ذكريات الملحمة الكروية الخالدة، تتجدد المواجهة بين المنتخب الوطني المغربي ونظيره الفرنسي، في قمة مرتقبة ضمن منافسات ربع نهائي كأس العالم 2026. وبينما يلوح في الأفق سيناريو 14 دجنبر 2022، يدرك المتابعون للشأن الرياضي أن مواجهة الخميس ليست مجرد تكرار للتاريخ، بل هي فصل جديد يكتبه “أسود الأطلس” بمداد من ثقة ونضج تكتيكي متطور.
من “النضج” إلى “التمييز”: المنتخب المرعب
إذا كانت ذاكرة كرة القدم العالمية لا تزال تحتفظ بصور الأداء البطولي للمغرب في مونديال قطر 2022، فإن “أسود الأطلس” في نسخة 2026 يطأون أرض الملعب بـ “هوية كروية” أكثر رسوخاً. فبعد مشوار متميز في الكأس الحالية، تخلله الفوز المستحق على كندا والتغلب على قامات أوروبية وازنة، أثبت المنتخب المغربي أنه لم يعد يكتفي بدور المفاجأة، بل ترسخ كقوة ضاربة وأفضل تمثيل للكرة الأفريقية على الساحة الدولية.
ركائز النجاح: رؤية ملكية وقيادة متبصرة
إن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار طويل من العمل الجاد الذي استند إلى ركائز متينة، على رأسها الجوانب الاستراتيجية التي وضع لبناتها الأولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، منذ الرسالة الملكية السامية الموجهة للمناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات عام 2008. لقد شكلت تلك الرؤية “خارطة طريق” حقيقية أضاءت مسار كرة القدم الوطنية، وساهمت في بزوغ جيل من النجوم الموهوبين الذين تخرجوا من أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، ليصبحوا اليوم أعمدة للمنتخب الوطني.
ومع انتخاب السيد فوزي لقجع رئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 2014, والذي شكل انتخابه إضافة نوعية لتدبير الشأن الكروي. وبفضل قيادته المتبصرة ولينسق عمله الميداني، حققت الكرة المغربية قفزات نوعية ولامست المجد في كافة الأصعدة والمستويات، سواء في كرة القدم للذكور أو الإناث، فضلاً عن كرة القدم داخل القاعة، وفي جميع الفئات العمرية. هذا الإشعاع المغربي تجاوز الحدود ليصبح نموذجاً عالمياً يُحتذى به في التميز الرياضي.
التطور في الشخصية والمنظومة
في عام 2022، دخل المنتخب المغربي غمار نصف النهائي كـ “حكايته المدهشة” التي أبهرت العالم؛ حيث تصدروا مجموعة الموت بعد تعادل ثمين مع كرواتيا، وانتصار تاريخي على بلجيكا، وصولاً إلى إقصاء إسبانيا بطلة أوروبا والبرتغال بقيادة كريستيانو رونالدو. أما اليوم، وبعد مرور سنوات من البناء، يبدو هذا المغرب أكثر توازناً، حيث يجمع بين “الروح القتالية” التي ميزت جيل 2022، وبين “الذكاء التكتيكي” والاستقرار الفني الذي يجعله خصماً لا يستهان به أمام أقوى المنتخبات الأوروبية.
مواجهة استثنائية: رهان على المستقبل
تكتسي هذه المواجهة طابعاً خاصاً يتجاوز الحسابات التقليدية للثأر؛ فهي اختبار حقيقي لنضج جيل يطمح لتدوين اسمه في سجلات الخالدين. وبينما تسلط الأضواء على النجوم الصاعدين والمخضرمين في صفوف الفريق، تظل الروح الجماعية هي السلاح الأقوى الذي يعول عليه “أسود الأطلس” للعبور نحو المربع الذهبي.
إن التاريخ يخبرنا أن كرة القدم لا تعرف المستحيل، وأن هذه الرحلة في مونديال الولايات المتحدة ليست سوى محطة في مسار طويل، حيث يواصل المنتخب المغربي سعيه الدؤوب لتحقيق الرؤية الملكية السامية، مؤكداً أن الحضور المغربي في المحافل العالمية أصبح رقماً صعباً ومعادلة لا تقبل القسمة على اثنين










