بقلم: الدكتور زكرياء بنعمر فارس
لم يعد تطوير كرة القدم الوطنية مجرد رهان تقني مرتبط بجاهزية الملاعب أو صيانة المرافق الرياضية استعداداً لاحتضان العرس الكروي العالمي “مونديال 2030″، بل تحول إلى ورش استراتيجي شامل يمس جوهر “الحكامة الرياضية”. وفي هذا السياق، جاءت الدعوات الصريحة التي وجهها السيد فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لتدعو إلى تحديث شامل لآليات عمل العصب الوطنية، لتشكل بذلك منعطفاً تاريخياً يتجاوز البعد التنظيمي ليصل إلى صميم الهيكلة الإدارية والتدبيرية للعبة.
الحكامة كركيزة للتنمية المستدامة
إن التوجيهات الأخيرة ليست مجرد “تعديل تقني” في الهياكل، بل هي رسالة سياسية ورياضية واضحة: المغرب، الذي أثبت علو كعبه في المحافل القارية والدولية، لم يعد يقبل بـ “التسيير التقليدي”. فالارتقاء بـ العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية (LNFP)، المسؤولة عن تدبير “البطولة الاحترافية إنوي”، أصبح ضرورة ملحة لتحويل الأندية من جمعيات أو شركات رياضية تعتمد على المنح، إلى مقاولات رياضية منتجة وقادرة على الاستدامة الذاتية.
آفاق التحديث: من “التسيير” إلى “الاستثمار”
إن الطموح الذي عبر عنه رئيس الجامعة يرتكز على نقل العصبة الاحترافية من دورها “التنظيمي الإداري” الضيق إلى دور “المطور الاستراتيجي”، وذلك من خلال أربعة محاور أساسية:
1. الاستقلالية المالية والتدبيرية: منح العصبة هامشاً أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرار، مما يتيح لها التحرر من البيروقراطية وتعزيز سرعة التفاعل مع تحديات الأندية.
2. ثورة التسويق والإشهار: تطوير نموذج اقتصادي جديد يعتمد على استراتيجيات تسويقية مبتكرة، تتجاوز الاعتماد الكلاسيكي على الإشهار التقليدي، نحو خلق علامة تجارية قوية لـ “البطولة المغربية” تجذب المستثمرين الدوليين.
3. تثمين الحقوق التلفزية: رفع القيمة السوقية للمنتوج الكروي المغربي، عبر تحسين جودة النقل التلفزي، وتوسيع قاعدة المتابعة، والبحث عن شراكات إعلامية نوعية تضمن مداخيل قارة ومحفزة للأندية.
4. الابتكار وخدمة الأندية: تحويل العصبة إلى “مختبر للأفكار” يرافق الأندية في مسار التحول الرقمي، وتطوير أكاديميات التكوين، وتبني معايير الحكامة المالية التي تفرضها الهيئات الدولية (فيفا/كاف).
5.
الاستحقاق العالمي: المونديال كمحفز للتغيير
إن اختيار المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 ليس مجرد حدث عابر، بل هو “محرك للتنمية”. فالسيد لقجع يدرك أن البنية التحتية الصلبة (الملاعب، الفنادق، النقل) يجب أن تقابلها “بنية تحتية رقمية وإدارية” بنفس الصلابة. لذا، فإن تحديث العصبة هو الخطوة الأولى لضمان أن تترك هذه التظاهرة إرثاً دائماً (Legacy) للكرة الوطنية، حيث تصبح البطولة المحلية منتوجاً عالمي الجودة.
نحو نموذج مغربي يحتذى به
إن ما يدعو إليه فوزي لقجع اليوم يمثل الرؤية الاستشرافية التي ينهجها المغرب في مختلف المجالات؛ الانتقال من تدبير الأزمات إلى “صناعة النجاح”. إن نجاح العصبة في التحول إلى مؤسسة محترفة، بمقاييس تدبيرية دولية، سيمثل حجر الزاوية الذي سيبني عليه المغرب طموحه الرياضي للسنوات القادمة، ليصبح النموذج الوطني مرجعاً إقليمياً في احترافية كرة القدم وحكامتها.







