بقلم الدكتور زكرياء بنعمر فارس
طويلاً، اعتقدتُ أن قيمتي تكمن في حجم ما أستطيع إثباته. كنتُ أسعى دوماً لأبرهن على جدارتي، وأؤكد قدرتي على تحقيق النجاح وتجاوز التحديات بمفردي. غير أن هذه الرؤية سرعان ما تبدلت مع إدراك عميق؛ فالنجاح الحقيقي لأي قائد لا يُقاس بما ينجزه هو شخصياً، بل بما يتيحه للآخرين من فرص لتطوير ذواتهم وتحقيق طاقاتهم الكامنة.
هذا التحول الفكري العميق أعاد صياغة مفهوم الإدارة والقيادة في مسيرتي. فما بات يحركني اليوم ليس السعي لكي أكون الشخص الذي لا غنى عنه، بل السعي لتحقيق العكس تماماً: مساعدة الآخرين على امتلاك ناصية القدرة والتمكين.
من ظلال الشك إلى آفاق الثقة
في مرحلة ما من حياتي، خبرتُ عن قُرب وقع الأيام التي لا يثق فيها أحد بك حقاً. وتناهت إلى أذني تلك العبارات القاسية والمثبطة:
“لن تنجح أبداً.”
“أنت عاجز عن فعل أي شيء.”
“ليس لديك القدرة على ذلك.”
المشكلة الحقيقية في مثل هذه الكلمات لا تقتصر على الألم المؤقت الذي تخلفه لحظة سماعها، بل تكمن في خطورتها البعيدة المدى؛ إذ إن تكرارها المستمر قد يتحول بمرور الوقت إلى قناعات داخلية راسخة. فنبدأ عندها بالشك في أنفسنا، ونضع الحدود لأنفسنا، ونحجم عن خوض التجارب والمغامرات.
وعلى الرغم من قسوة هذه التجارب، علمتني الحياة درساً لا يقدر بثمن: لا أحد يستطيع بمفرده أن يُظهر كامل طاقاته الكامنة. فهناك دائماً أولئك الأشخاص الذين يتألقون ويصبحون أفضل حالاً لأنهم وجدوا من يأخذ بأيديهم، ويدربهم، ويشجعهم، ويمنحهم مساحة المسؤولية. ولعل هذا هو السبب الجوهري وراء تبني رسالة واضحة اليوم تتمثل في مساعدة الآخرين على النمو.
جوهر القيادة الحقيقية
على مدار أكثر من أربعين عاماً، عاينتُ كيف يمكن لموظفين افتقروا إلى الثقة بالنفس أن يتولوا مقاليد القيادة ويحتلوا مكانتهم المستحقة. وشاهدتُ مترددين يتحولون إلى مراجع ملهمة، وطاقات كامنة تخرج إلى النور.
ولم يحدث ذلك لأن هؤلاء الأشخاص كانوا مختلفين عن غيرهم، بل لأن بيئة عمل حاضنة أتاحت لهم فرصة النمو. حدث ذلك لأن أحدهم آمن بهم حقاً، وقدم لهم المفاتيح اللازمة للتقدم والازدهار.
وتلك هي, بلا شك، أسمى معاني القيادة وأهمها:
ألا تكون القائد الذي يملك الإجابة الجاهزة دائماً.
ألا تكون الشخص الذي يتدخل في كل مشكلة صغيرة وكبيرة.
ألا تكون المحور الذي يعتمد عليه الجميع في كل خطوة.
فالقائد الحقيقي لا يقتصر دوره على بناء شركة أو تشكيل فريق عمل فحسب، بل يتعدى ذلك إلى بناء رجال ونساء قادرين على التفكير، واتخاذ القرار، والتحرك باستقلالية تامة. فمهمته ليست في خلق أتباع يبقون في حاجة دائمة إليه، بل في إبراز قادة جدد.
لأن القيمة الحقيقية لأي قائد لا تُقاس أبداً بحجم من يتبعونه، بل بعدد القادة الذين يخلفهم من بعده.









