بقلم: نزهة زونات
تظل السعادة، بلا منازع، واحدة من أندر القضايا الإنسانية التي يقضي الإنسان جلّ عمره في اقتفاء أثرها، دون أن يفلح يوماً في تأطيرها داخل تعريف واحد مطلق. فبينما يراها البعض متجذرة في دفء العاطفة والحب، يربطها آخرون بنشوة النجاح، أو بسعة الحرية، أو بالسكينة الداخلية العميقة. ورغم هذا الاختلاف في التمظهرات، فإن السعادة الحقيقية ليست قط حالاً أبدية تتلاشى فيها كل آلام الوجود، بل هي تلك القدرة الوجدانية على احتضان الحياة بحلوها ومُرّها، وأفراحها وابتلاءاتها، مع الحفاظ على جذوة من الطمانينة في الأعماق.
بساطة الكائن.. في مكنونات اللحظة
غالباً ما تتوارى السعادة خلف حجاب البساطة، مختبئة في تفاصيل يومية عابرة قد لا تحظى بالانتباه:
نظرة صادقة تنبض بالصفاء،
قهقهة عفوية تتقاسمها مع روح قريبة،
أريج زهرة فاح في توقيت مناسب،
خريص أمواج تتكسر على الشواطئ،
أو شعور غامر بالانتماء وبأنك في المكان الذي يناسبك تماماً.
فهي لا ترتبط طرداً بما يملكه المرء من حطام الدنيا، بل بالكيفية التي يسكن بها “لحظته الراهنة”. وكلما سلك الإنسان دروب تتبعها كهدف بعيد المنال، كلما تمنع عنها وهرب؛ وكلما تدرّب على اقتناصها في صغائر الأيام، كلما باتت أقرب متناولاً.
رحلة وليست محطة وصول
إن السعادة، في جوهرها الفلسفي والإنساني، ليست غاية نبلغها لنستريح، بل هي الأسلوب الذي نؤثره لقطع سفر الحياة. إنها طريقة عيش نقوب فيها عن:
الامتنان لما هو كائن في الحاضر،
والرجاء فيما تخبئه الأقدار،
والرفق بالذات وبالآخرين في آن واحد.
التوازن الهش.. بين مرارة الغد وسكينة اليوم
تبدو السعادة ذلك التوازن البديع –الفريد والهفيف في آن– حيث يجد القلب كفايته من السكينة ليبسط يدي الشكر لامتنان الحاضر، غير آبه بما تحمله طيات الغد من تقلبات وأمواج مبهمة. إنها ليست سوى فن التصالح مع النقص الإنساني، وإدراك أن النور الحقيقي ينبع دائماً من الداخل.









