«مع اقتراب الانتخابات.. الجمعيات تملأ الأحياء باللقاءات والتجمعات، لكن أين حملات إنقاذ الشباب من براثن الإدمان؟»

ميلودة جامعي18 أغسطس 2026آخر تحديث :
«مع اقتراب الانتخابات.. الجمعيات تملأ الأحياء باللقاءات والتجمعات، لكن أين حملات إنقاذ الشباب من براثن الإدمان؟»

ميلودة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، بدأت مشاهد مألوفة تعود من جديد إلى شوارع وأزقة مختلف الأحياء، حيث تنشط جمعيات مدنية وحقوقية وفاعلون جمعويون في تنظيم اللقاءات والتجمعات والأنشطة، ويتقربون من السكان والشباب في محاولة للتواصل معهم وتشجيعهم على المشاركة والاستماع إلى انتظاراتهم.

غير أن هذا الحراك المتزايد مع اقتراب موعد الانتخابات يطرح سؤالاً مشروعاً لا يمكن تجاهله: أين كان هذا الحضور عندما كان شباب الأحياء يواجهون خطر المخدرات والإدمان؟ وأين كانت حملات التوعية والتحسيس حين كان بعض الشباب يسقطون تدريجياً في دوامة قد تبدأ بتجربة عابرة، وتنتهي بمأساة تهدد الشاب وأسرته ومستقبله؟

.

فالمواجهة الحقيقية مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن تبدأ دائماً من لحظة الاعتقال أو بعد وصول الشاب إلى القضاء، وإنما يجب أن تبدأ قبل ذلك بكثير، من الوقاية والتوعية والتحسيس والمواكبة وفتح أبواب الأمل أمام الشباب.

وهنا تبرز المسؤولية الكبيرة للمجتمع المدني، باعتباره الأقرب إلى الأحياء والأسر والشباب، والأقدر على الوصول إلى الفئات التي قد لا تجد دائماً من يستمع إليها أو يوجهها.

فإذا كانت بعض الجمعيات قادرة اليوم على طرق أبواب المنازل، والتجول في الأزقة، وتنظيم اللقاءات والتجمعات والتواصل المباشر مع الشباب في سياق الاستعداد للانتخابات، فلماذا لا نرى الحماس نفسه عندما يتعلق الأمر بحملات حقيقية للتحسيس بمخاطر المخدرات والإدمان؟

لماذا لا تتحول الأزقة نفسها التي تُزار بحثاً عن أصوات الناخبين إلى فضاءات للتوعية؟ ولماذا لا يتم الحديث مع الشباب عن مخاطر المخدرات بالقوة نفسها التي يتم بها الحديث عن الانتخابات والتصويت والبرامج والمرشحين؟

السؤال هنا لا يستهدف العمل الجمعوي في حد ذاته، ولا ينتقص من أدوار الجمعيات التي تشتغل بجدية وتقدم خدمات حقيقية للمجتمع، وإنما هو دعوة صريحة إلى مراجعة الأولويات، وربط العمل الجمعوي بحاجيات المواطنين الفعلية، وعلى رأسها حماية الشباب من الآفات التي تهدد مستقبلهم.

فالشاب لا يحتاج فقط إلى من يتذكره عندما تقترب صناديق الاقتراع، بل يحتاج إلى من يتذكره عندما يكون في أصعب لحظاته؛ عندما يبدأ في استهلاك المخدرات، أو يصبح مهدداً بالإدمان، أو تجد أسرته نفسها عاجزة عن معرفة الطريق الصحيح لمساعدته.

الشباب يحتاج إلى من يفتح أمامه أبواب الرياضة والتكوين والتشغيل والثقافة، ومن ينظم لقاءات توعوية حقيقية، ويوجهه نحو الجهات المختصة بالعلاج والمواكبة وإعادة الإدماج.

الشباب ليس رقماً انتخابياً، وليس أصواتاً تُستحضر خلال موسم الانتخابات ثم تختفي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع. الشباب هو مستقبل المدينة والمجتمع، وحمايته من المخدرات مسؤولية جماعية لا ينبغي أن ترتبط بموسم انتخابي أو مناسبة عابرة.

والأخطر أن المخدرات لا تستهدف فقط الشاب الذي يسقط في الإدمان، وإنما تمتد آثارها إلى أسر بأكملها. فمعاناة شاب واحد قد تتحول إلى أزمة أسرية ونفسية واجتماعية واقتصادية، وقد ينتهي به الأمر في مواجهة القضاء أو خلف أسوار السجن، بعدما يكون قد خسر جزءاً كبيراً من مستقبله.

ومن هنا، فإن دور الجمعيات المدنية والحقوقية ينبغي ألا يقتصر على البيانات والأنشطة المناسباتية، بل يجب أن ينتقل إلى الميدان الحقيقي: الأحياء، المؤسسات التعليمية، الملاعب، دور الشباب، الفضاءات الثقافية، والأسر التي تحتاج إلى من يسمعها ويوجهها.

والجمعية التي تستطيع الوصول إلى عشرات الشباب لإقناعهم بالمشاركة في الحياة العامة، يفترض أن تكون قادرة أيضاً على الوصول إلى العدد نفسه لإقناعهم بأن المخدرات ليست حلاً للهروب من المشاكل، وأن المستقبل لا يُبنى داخل دوامة الإدمان، وإنما بالعلم والعمل والرياضة والطموح.

بل إن أقوى إنجاز يمكن أن تحققه أي جمعية ليس بالضرورة تنظيم لقاء يحضره المئات، وإنما إنقاذ شاب واحد من طريق الإدمان، ومساعدته على العودة إلى أسرته ومدرسته أو عمله ورياضته وحياته الطبيعية.

وفي المقابل، فإن الدعوة إلى الوقاية والعلاج وإعادة الإدماج لا تعني بأي شكل من الأشكال التساهل مع المروجين وتجار المخدرات. فهناك فرق واضح بين شاب يحتاج إلى المساعدة والاحتواء والعلاج، وبين شخص يتخذ من ترويج المخدرات تجارة ومصدر ربح على حساب مستقبل الآخرين.

ولهذا، فإن المقاربة الجادة ينبغي أن تسير في اتجاهين متوازيين: إنقاذ الشباب قبل السقوط، وتشديد المواجهة مع المروجين والوسطاء والشبكات التي تستفيد من انتشار المخدرات.

وهنا يعود السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بقوة على جميع الفاعلين، وليس على الجمعيات وحدها: كم شاباً استطعنا إنقاذه قبل أن يصبح رقماً جديداً خلف أسوار السجون؟ وكم شاباً كان يمكن إنقاذه لو تحركنا في الوقت المناسب؟

ومع اقتراب الانتخابات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت بعض الجمعيات قادرة على التجول في الشوارع والأزقة للوصول إلى الشباب وإقناعهم بأهمية التصويت، فلماذا لا نراها بالقوة نفسها في حملات مستمرة لمحاربة الإدمان والتوعية بمخاطر المخدرات؟

نريد جمعيات حاضرة طوال السنة، لا فقط عندما تقترب الانتخابات. نريد مبادرات تنقذ الشباب، لا أنشطة تنتهي بانتهاء المناسبة. نريد من يخاطب عقول الشباب ويحمي مستقبلهم، لا من يبحث فقط عن أصواتهم.

فإذا كانت الانتخابات تستحق النزول إلى الشوارع والأحياء، فإن إنقاذ شاب من المخدرات يستحق النزول أكثر… وربما يستحق أن يكون أولوية قبل أي حملة انتخابية.

يتبع…

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة