بقلم: ميلودة جامعي
لم تعد قضية الفيلات المقامة على شاطئ بوزنيقة مجرد ملف عقاري عابر، ولا مجرد خلاف إداري حول تراخيص ووثائق، بل تحولت إلى قضية رأي عام تضع أمامنا أسئلة أكبر بكثير من حدود تلك الفيلات: من يحمي الملك العمومي البحري؟ ومن يتحمل مسؤولية السماح باستمرار وضعيات عمرت سنوات؟ وهل يطبق القانون بالصرامة نفسها على الجميع؟
ثلاثمائة فيلا، مراسلات إدارية، مفوض قضائي، وموعد محدد في 15 شتنبر لإعادة العقارات إلى وضعها الأصلي، وفق المعطيات المتداولة. وبين أصحاب هذه الفيلات، بحسب ما أوردته مصادر إعلامية، شخصيات سبق لها أن تحملت مسؤوليات عليا في الدولة. وهنا تحديداً تكتسب القضية حساسيتها، لأنها لم تعد مجرد نزاع حول عقار، وإنما أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة القانون على أن يكون فوق الأشخاص والمواقع والامتيازات.
المعطيات المتداولة تفيد بأن عدداً من أصحاب الفيلات توصلوا بمراسلات إدارية تفيد بعدم توفرهم على سندات ملكية معترف بها، وأن استغلالهم للأراضي يدخل ضمن احتلال الملك العمومي البحري، مع مطالبتهم بإرجاع العقارات إلى حالتها الأصلية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: كيف أمكن لفيلات بهذا الحجم أن تبقى قائمة لسنوات فوق عقار تعتبره الدولة اليوم ملكاً عمومياً؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة إدانة أي طرف، فالحسم في المسؤوليات والحقوق من اختصاص الجهات القضائية والإدارية المختصة، لكنه سؤال مشروع للرأي العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملك يفترض أنه محمي بالقانون وتحت مراقبة مؤسسات الدولة.
الأكثر إثارة في الملف أن المرجعية القانونية المتعلقة بالملك العمومي البحري تعود إلى ظهير فاتح يوليوز 1914، الصادر خلال فترة الحماية، والذي وضع قواعد تدبير هذا الملك، ومن بينها مبدأ عدم قابليته للتفويت وعدم اكتسابه بالتقادم.
وبعد أكثر من قرن، تغير المغرب، واستعاد سيادته، وتطورت مؤسساته وتشريعاته، لكن بعض النصوص القانونية القديمة ظلت حاضرة في منظومة تدبير الملك العمومي.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: قانون وُضع في زمن الحماية يعود اليوم إلى الواجهة في قضية تخص فيلات مرتبطة، بحسب المعطيات المتداولة، بشخصيات سبق لها أن شغلت مناصب عليا في الدولة.
لكنني أعتقد أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند عمر القانون أو مصدره التاريخي، وإنما يجب أن ينتقل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف تم تطبيق هذا القانون طوال هذه السنوات؟
إذا كانت السلطات تعتبر أن هذه الفيلات أقيمت فوق الملك العمومي البحري دون سند قانوني، فأين كانت أجهزة المراقبة؟ ومن كان مسؤولاً عن مراقبة الأشغال والتراخيص؟ وهل كانت هناك إنذارات سابقة؟ وهل تم تحصيل الرسوم المستحقة عن الاستغلال؟ وإذا كانت الإدارة على علم بالوضعية، فلماذا استمرت كل هذه السنوات؟
هذه الأسئلة لا تستهدف أصحاب الفيلات وحدهم، بل تضع أيضاً منظومة الإدارة والمراقبة أمام مسؤولياتها.
فإذا ثبت وجود مخالفة استمرت لسنوات، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف كيف استمرت، ومن كان يعلم بها، ولماذا لم يتم التعامل معها في وقتها.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: القانون يجب أن يكون واحداً.
المغربي البسيط الذي يجد منزله أمام الجرافة لا يفهم لماذا يمكن أن تستغرق بعض الملفات سنوات طويلة، بينما يتم تنفيذ قرارات أخرى بسرعة كبيرة. ولا يفهم لماذا يبدو أحياناً أن قوة القانون تتغير بحسب موقع العقار أو اسم صاحبه أو قيمة المنطقة التي يوجد فيها.
لهذا فإن قضية بوزنيقة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد قصة عن هدم فيلات، بل إلى مناسبة لإعادة طرح مبدأ المساواة أمام القانون.
إذا كانت الفيلات مخالفة، فليتم تطبيق القانون عليها. وإذا كانت هناك حقوق قانونية لأصحابها، فليتم الاحتكام إلى القضاء والمؤسسات المختصة. لكن في جميع الحالات، يجب أن تكون القاعدة واحدة: لا أحد فوق القانون، ولا أحد أقل من القانون.
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: ماذا سيحدث بعد استرجاع الساحل؟
إذا كانت الدولة تستعيد الملك العمومي البحري من أجل حماية المجال وتمكين المواطنين من الاستفادة منه، فذلك أمر إيجابي يستحق الدعم.
لكن ماذا لو تمت إزالة منشآت خاصة لتظهر مكانها لاحقاً مشاريع سياحية فاخرة وفنادق وإقامات ومرافق محدودة الولوج؟
هنا سيعود السؤال نفسه بقوة: هل استُعيد البحر فعلاً من أجل المغاربة، أم فقط تغير المستفيد من استغلاله؟
هذا السؤال يزداد أهمية في ظل الدينامية الاستثمارية والسياحية التي يعرفها المغرب، والاستعدادات المرتبطة باستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
فالمغاربة يريدون أن يروا تنمية واستثماراً، نعم، لكنهم يريدون أيضاً أن يشعروا بأن الملك العمومي يظل ملكاً عمومياً، وأن الاستثمار لا يعني إقصاء المواطن من حقه الطبيعي في الولوج إلى مجاله البحري.
ومن وجهة نظري، فإن هدم الفيلات، إذا ثبتت مخالفتها، لا ينبغي أن يكون نهاية القصة، بل بدايتها.
لأن السؤال الأهم ليس فقط: من سيغادر؟
بل: من سمح بالبقاء طوال هذه السنوات؟ من منح التراخيص، إن وجدت؟ من راقب؟ من أنذر؟ من تقاعس عن التدخل؟ وما هي الرسوم التي تم أداؤها أو التي كان يفترض أداؤها؟ وهل ستتم مساءلة كل من ثبت تقصيره، أياً كان موقعه؟
هذه ليست أسئلة انتقامية، ولا دعوة إلى التشهير بأحد، وإنما هي أسئلة مرتبطة بمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ لا يستقيم بدونه أي حديث عن دولة القانون.
إن قضية بوزنيقة، في رأيي، يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع الملك العمومي البحري، ليس فقط في هذه المنطقة، وإنما على امتداد السواحل المغربية.
المطلوب ليس هدم فيلات اليوم ثم السماح بتكرار السيناريو غداً، وإنما وضع قواعد واضحة وشفافة تمنع أي شخص، مهما كان موقعه، من تحويل الملك المشترك إلى امتياز خاص.
فالبحر ليس ملكاً لمن يملك المال، ولا لمن يملك النفوذ، ولا لمن سبق له أن شغل منصباً في الدولة.
البحر ملك للجميع.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الرأي العام ليس فقط: من سيغادر ساحل بوزنيقة؟
بل السؤال الأهم والأعمق:
من سيستفيد من الساحل بعد استرجاعه؟ وهل سيبقى فعلاً ملكاً للجميع، أم سنكون أمام مجرد تغيير في أسماء المستفيدين؟










