سوق الشغل في المغرب: تحديات هيكلية وآفاق للتحول
الدكتور زكرياء بنعمر فارس
يكشف واقع سوق الشغل في المغرب عن صورة معقدة، حيث يسير بخطى بطيئة ومتفاوتة، متأثرًا بشكل مباشر بالظروف المناخية الصعبة. لقد تسببت سنوات الجفاف المتتالية في فقدان أكثر من 100 ألف فرصة عمل في القطاع الفلاحي، مما يعكس الهشاشة الهيكلية للاقتصاد القروي وارتباطه الوثيق بتقلبات الطبيعة.
وعلى الرغم من الارتفاع الطفيف في إجمالي أعداد المشتغلين، إلا أن هذه الزيادة تخفي وراءها فوارق عميقة ومثيرة للقلق.
التحليل:
* الفوارق الصارخة: يتجلى التباين في سوق الشغل بشكل واضح بين المناطق الحضرية والقروية ، حيث تتأثر هذه الأخيرة بشكل أكبر بالصدمات الاقتصادية والبيئية. كما أن الفوارق بين الجنسين (ذكور/إناث) وبين المستويات التعليمية (حاملي الشهادات/غير حامليها) تظل قائمة، مما يشير إلى أن النمو الاقتصادي لا يزال غير شامل ولا يستفيد منه الجميع بنفس القدر.
* ارتفاع معدل التشغيل الناقص (Sous-emploi): يشير ارتفاع هذا المؤشر إلى أن شريحة واسعة من القوى العاملة لا تستغل كامل إمكانياتها، إما بسبب ساعات العمل غير الكافية أو بسبب طبيعة الوظائف التي لا تتناسب مع مؤهلاتهم. وهو ما يفرض تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، من قبيل ضعف الإنتاجية وتدني الأجور، ويؤكد الحاجة الملحة إلى خلق فرص عمل لائقة وذات قيمة مضافة.
* تأثير القطاع الفلاحي: يظل القطاع الفلاحي قاطرة رئيسية لسوق الشغل في المغرب، لكنه في الوقت نفسه الحلقة الأضعف والأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية.
إن فقدان عشرات الآلاف من الوظائف في هذا القطاع يحمل دلالة على ضرورة تنويع الاقتصاد القروي وتطوير بدائل مستدامة لضمان دخل ثابت للسكان.
مسارات للخروج من الأزمة:
لتحقيق انتقال ناجح نحو سوق شغل أكثر استدامة وشمولية، يمكن اعتماد مجموعة من التوصيات:
* تطوير الاقتصاد القروي: يجب الاستثمار في القطاعات غير الفلاحية في العالم القروي، مثل السياحة البيئية والصناعات التقليدية، لخلق فرص عمل بديلة ومستدامة.
* دعم ريادة الأعمال: تقديم الدعم المالي والتقني للمقاولات الصغرى والناشئة، مع التركيز على المشاريع التي تدمج التكنولوجيا وتخلق وظائف عالية الجودة.
* الاستثمار في التكوين: مواءمة البرامج التكوينية مع احتياجات سوق الشغل، وتوفير تكوينات مستمرة تتيح للشباب اكتساب المهارات المطلوبة في القطاعات الواعدة.
* تشجيع المساواة: وضع سياسات فعالة لتقليل الفوارق بين الجنسين في سوق الشغل، وتسهيل ولوج النساء إلى المناصب القيادية والقطاعات ذات القيمة المضافة.
* مواجهة تحدي التغير المناخي: تطوير استراتيجيات لمكافحة آثار الجفاف، مثل تبني تقنيات فلاحية حديثة لا تستهلك كميات كبيرة من المياه، ودعم الفلاحين المتضررين لضمان استقرارهم الاقتصادي.
إن معالجة هذه التحديات لا تقتصر على السياسات الاقتصادية فقط، بل تتطلب رؤية شاملة تجمع بين البعد الاجتماعي والبيئي، وتستهدف بناء سوق شغل مرن وقادر على استيعاب جميع فئات المجتمع.









