لما نحنُ الرجال بهذه الهشاشة؟

Mekki Sebai3 سبتمبر 2025آخر تحديث :
لما نحنُ الرجال بهذه الهشاشة؟

لما نحنُ الرجال بهذه الهشاشة؟

 

مرتضى يوسف

 

كنتُ أظن أنّ الثلاثين ستعلّمني الثبات، ستكفّني عن الركض وراء أوهام الصبا، ستصقل في داخلي رجلاً لا تهزه الذكريات ولا تذبحه نظرة ولا تهشّمه كلمة.

لكنني اكتشفت أن العمر لا يحمي القلب من ضعفه، وأن كل ما كبر فيّ هو حجم الانكسار.

إنني الآن، في منتصف العمر، لا أزال أحمل ذلك الصبي الذي يبكي في الخفاء، الذي يخاف من الخسارة، الذي ينهار عند أول خيانة.

كل تلك القوة التي صدّرتها للناس لم تكن إلا واجهة من غبار، وكل ذاك الكبرياء لم يكن إلا جدارًا هشًا يخفي وراءه قلبًا يتساقط قطعًا صغيرة مع كل خيبة.

أتعرف؟ إنني أشعر وكأنني رجلٌ يعيش في جسدٍ من زجاج، يتصدّع بصوت الذكريات أكثر مما يتصدّع بالضربات

إنه الجحيم الحقيقي أن تعيش وأنتَ تعرف هشاشتك، أن تسير بين الناس بوجه جامد، فيما داخلك حفرة لا قاع لها.

تضحك، تتحدث، تجلس بينهم كأنك واحدٌ منهم، لكنك تدرك في أعماقك أنك لست سوى شظايا رجلٍ لم يكتمل يومًا.

أحيانًا أسمع نفسي تتهامس في الظلام: أين ذهب ذلك الذي كنت أعده بالقوة؟ أين ذاك الذي صدّق أن النضج سياج يحمي القلب من العواصف؟

لكن لا جواب سوى هذا الصمت الثقيل، صمتٌ أشد فتكًا من الصراخ، صمتٌ يحاصرني حتى أكاد أختنق.

 

المرعب يا صديقي ليس أن ينهار قلبك مرة، بل أن تعيش وأنت تنتظر الانهيار القادم.

تخاف من الحب كما تخاف من فقدانه، تخاف من الذاكرة كما تخاف من النسيان.

كأنك محكوم بعقابٍ أبدي: أن تحيا في صراعٍ بين صبيٍ يرتجف في داخلك ورجلٍ يتظاهر بالصلابة في الخارج.

 

إنني أرى نفسي، في لحظاتٍ كهذه، كما لو كنت شخصيةً تافهة في رواية مأساوية: لا بطلٌ ولا منقذ، بل مجرد إنسانٍ يقف على حافة وجوده، يتأمل الفراغ ويميل نحوه ببطء، كأن السقوط فيه خلاصٌ أرحم من الوقوف على هذه الحافة الملعونة

لكنني أسأل نفسي: أليس في هذه الهشاشة نفسها معنى إنساني مخيف؟

ربما نحن لا نُخلق لنكون صخورًا، بل لننزف، لنهتز، لننكسر مرارًا كي نفهم أن الحياة ليست قوة بل عذابًا متواصلًا.

ربما هذا ما يجعلنا بشرًا، وما يفرّقنا عن الحديد والحجر.

 

غير أنّ العذاب لا يمنحني عزاءً، بل ينهشني أكثر.

إنني أعيش كما لو كنتُ مدانًا بجرمٍ لم أرتكبه، كل يوم أستيقظ وأنا مثقل بديوني أمام نفسي، أمام ما ضيّعت وما خذلت، أمام تلك اللحظات التي ظننتها خلاصًا فإذا بها أبوابًا أخرى للجحيم.

 

وأحيانًا، في أشدّ لحظات الانكسار، يزورني هاجس غريب: لعلّ هذا الألم ضرورة، لعلّه الطريق الوحيد لفهم معنى أن تكون إنسانًا.

لكن أي إنسان أكون إذا كان وجودي كله عبارة عن خوفٍ مؤجل؟

أي معنى للحياة إذا كانت لا تمنحك سوى الانتظار البطيء للانهيار الأخير؟

 

📜

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة