✍️ أمال بنعبود
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ووسط النقاشات المتجددة حول سبل إصلاح التعليم في المغرب، برزت مبادرة فكرية لافتة أطلقها الإعلامي والمفكر التربوي رشيد الإدريسي، دعا فيها إلى مراجعة جذرية للزمن المدرسي، بما يتماشى مع الحاجات النفسية والإنسانية للمتعلمين. رؤيةٌ تستند إلى وعي عميق بواقع المدرسة المغربية، وإلى إدراك أن الطفل ليس رقماً في منظومة تعليمية، بل إنسانٌ في طور التكوين يحتاج إلى زمنٍ متوازنٍ للحياة والتعلّم معاً.
ينتقد الإدريسي بوضوح النمط الزمني السائد في المؤسسات التعليمية، الذي يُبقي التلميذ في القسم من الثامنة صباحاً إلى السادسة مساءً، في إيقاعٍ مرهقٍ يفوق قدرة الطفل أو المراهق على التحمل.
فمنطق “الإطالة الزمنية” في التعليم، كما يقول، لا يعني بالضرورة تحقيق التعلم الجيد، بل قد يتحول إلى عامل إضعافٍ للدافعية وتقويضٍ لشغف التلميذ بالتعلم.
فـ“العقل الصغير” لا يمكن أن يعمل وفق نظام الموظف البالغ، لأن لكل مرحلة عمرية إيقاعها النفسي والمعرفي الخاص.
يدعو الإدريسي إلى قلب المعادلة التقليدية رأساً على عقب: ليست الساعات الطويلة هي التي تصنع المتعلمين النجباء، بل جودة الزمن الدراسي واستثماره الذكي.
فحين يتراجع تركيز التلميذ بعد أربع أو خمس ساعات من الدراسة المكثفة، يصبح الإصرار على إطالة اليوم المدرسي هدراً للطاقة البشرية والزمن التربوي معاً.
لذلك، يرى الإدريسي أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن التربية عملية إنسانية قبل أن تكون إدارية، وأن العبرة ليست في “كمّ الوقت”، بل في “كيف نُعلّم”.
في إطار رؤيته الإصلاحية، يقترح الإعلامي رشيد الإدريسي تحديد الزمن المدرسي بين التاسعة صباحاً والثالثة زوالاً، باعتباره نموذجاً عملياً أكثر اتزاناً من الناحية البيداغوجية والنفسية.
ويؤكد أن هذا التعديل لا يُعد تقليصاً اعتباطياً، بل هيكلة مدروسة تسعى لتحقيق التوازن بين متطلبات التعلم والحياة اليومية للطفل، عبر ثلاث ركائز أساسية:
- التوازن النفسي والجسدي: منح المتعلم فترات راحة كافية تتيح له استعادة طاقته الذهنية، ما يقلل من مظاهر الإرهاق والضغط النفسي.
- تعزيز الأنشطة الموازية: فتح المجال لممارسة الهوايات والفنون والرياضة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التربية الحديثة.
- تحقيق التركيز النوعي: استثمار ساعات الذروة الذهنية، خصوصاً الصباحية، لتقديم المواد الأساسية بأعلى مردودية تعليمية.
إن جوهر نداء الإدريسي هو إعادة صياغة العلاقة بين المدرسة والطفل على أسسٍ إنسانية. فالتلميذ ليس آلة معرفة، بل كائن نامٍ يحتاج إلى التوازن بين التعلم واللعب، بين الجهد والراحة، بين العقل والقلب.
وهذا ما يجعل من مراجعة الزمن المدرسي ضرورة بيداغوجية ملحّة، لا مجرد إجراء تنظيمي
إن دعوة الإعلامي رشيد الإدريسي تمثل صرخة وعي وطنية تُوجّه إلى المسؤولين التربويين والمجتمع المدني والأسرة المغربية، لتبني إصلاحٍ يجعل المدرسة أكثر إنسانية ودفئاً.
فإصلاح الزمن المدرسي هو إصلاح للمنهج التربوي بأكمله، وهو المدخل الحقيقي لتربية أجيالٍ متصالحة مع نفسها، متوازنة في وجدانها، ومنفتحة على الحياة.









