كيف أعاد العقل الجمعي المغربي إنتاج البنية القبلية داخل التنظيم السياسي الحديث؟

Mekki Sebai23 يوليو 2026آخر تحديث :
كيف أعاد العقل الجمعي المغربي إنتاج البنية القبلية داخل التنظيم السياسي الحديث؟

الحزب أم الزاوية؟

 

كيف أعاد العقل الجمعي المغربي إنتاج البنية القبلية داخل التنظيم السياسي الحديث؟

 

لا تنتقل المجتمعات من بنياتها التقليدية إلى المؤسسات الحديثة بمجرد تغيير الأسماء والقوانين والأشكال التنظيمية. فقد تتغير الواجهات، بينما تستمر البنيات العميقة في الاشتغال داخلها، وتعيد إنتاج نفسها بألفاظ جديدة ووسائل أكثر حداثة.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن طرح سؤال يبدو مستفزًا في ظاهره، لكنه مشروع من الناحية الفكرية والسياسية:

 

هل استطاع الحزب السياسي في المغرب أن يتحول فعلًا إلى مؤسسة حديثة، أم أن العقل الجمعي المغربي أعاد تشكيله وفق منطق العائلة والقبيلة والزاوية؟

 

لقد ظهر الحزب السياسي في سياقه الحديث باعتباره مؤسسة تقوم على البرنامج، والتعاقد، والاختيار الحر، وتداول المسؤولية، والاحتكام إلى القوانين الداخلية، وربط القيادة بالمحاسبة والنتائج.

 

فالحزب، من الناحية النظرية، ليس عائلة ولا قبيلة ولا زاوية، بل تنظيم سياسي يجتمع أعضاؤه حول أفكار ومبادئ وبرامج ومصالح عامة، ويكون الانتماء إليه اختيارًا واعيًا، لا رابطة دم ولا تبعية شخصية.

 

لكن الحزب، عندما دخل إلى مجتمع تحكمه ذاكرة تاريخية طويلة من الانتماءات العائلية والقبلية والروحية، لم يشتغل دائمًا وفق منطقه الحديث الخالص. بل تسللت إليه أنماط تنظيمية قديمة، وأعادت بناءه من الداخل.

 

من الشيخ إلى الزعيم

 

كانت الزاوية في التاريخ المغربي أكثر من فضاء للتعبد والتربية الروحية. فقد كانت أيضًا مؤسسة اجتماعية ورمزية، تنظم العلاقة بين الشيخ والمريد، وتبني شبكة من الولاءات، وتوفر الحماية والوساطة والانتماء.

 

ولم يكن موقع الشيخ يُفهم دائمًا بوصفه وظيفة قابلة للنقد والمراجعة، بل باعتباره مركزًا للشرعية والبركة والتوجيه. وكان الخروج عن رأيه قد يُنظر إليه بوصفه خروجًا عن الجماعة نفسها.

 

وفي كثير من الأحزاب، انتقلت هذه البنية بشكل غير واعٍ من الشيخ إلى الزعيم. فأصبح الحزب يختزل في شخص، وتصبح صورته مرتبطة بصورة القائد، ويُعامل الاختلاف معه باعتباره اعتراضًا على الحزب كله.

 

وبدل أن يكون الزعيم خادمًا للمؤسسة، تتحول المؤسسة بالتدريج إلى مجال لخدمة الزعيم، والدفاع عن موقعه، وتبرير اختياراته، وإعادة إنتاج سلطته.

 

هنا لا يعود السؤال: ما البرنامج؟ وما الحصيلة؟ وما مدى احترام القانون الداخلي؟

 

بل يصبح السؤال: مع من أنت؟ ولمن تدين بالولاء؟ وإلى أي جناح تنتمي؟

 

من المريد إلى المناضل التابع

 

كما تقوم الزاوية على رابطة الشيخ بالمريد، نشأت داخل بعض الأحزاب علاقة مشابهة بين الزعيم والمناضل.

 

فالمناضل، بدل أن يكون عضوًا كامل الأهلية، يشارك في القرار ويناقش ويحاسب ويقترح، قد يتحول إلى تابع ينتظر الإشارة، ويعيد خطاب القيادة، ويتجنب مساءلتها.

 

وفي هذه الحالة، لا تصبح قيمة العضو مرتبطة بقدرته على التفكير والإنتاج والتأطير وخدمة المجتمع، بل بمقدار قربه من مركز القرار واستعداده لتنفيذ التعليمات.

 

وتتراجع بذلك وظيفة الحزب في صناعة النخب الحرة، ليصبح مجالًا لإنتاج الأتباع.

 

والأخطر أن الطاعة قد تُقدَّم باعتبارها انضباطًا، والصمت باعتباره حكمة، والتبعية باعتبارها وفاء، بينما يُوصم النقد بأنه تمرد أو خيانة أو خروج عن الصف.

 

الحزب بوصفه عائلة سياسية

 

تظهر الخلفية العائلية داخل الحزب عندما تتحول العلاقات التنظيمية إلى علاقات قرابة رمزية أو فعلية.

 

فبدل أن تُسند المسؤوليات بناءً على الكفاءة والمردودية والقدرة على الإقناع، قد تتقدم اعتبارات القرب، والثقة الشخصية، والصداقة، والانتماء المحلي، والعائلي، والقبلي.

 

وقد لا يكون التوريث الحزبي قانونيًا أو معلنًا، لكنه قد يحصل اجتماعيًا وسياسيًا، من خلال انتقال المواقع والنفوذ وشبكات الدعم داخل الدائرة نفسها.

 

وهكذا تظهر داخل الحزب عائلات سياسية صغيرة، لكل واحدة منها حمايتها ومصالحها وامتداداتها. وتتحول المنافسة من صراع أفكار وبرامج إلى صراع بين البيوت والأجنحة والولاءات.

 

وعندما ينتقد أحدهم هذا البناء، يُقال له إنه يهدد وحدة الحزب، مع أن الوحدة الحقيقية لا تقوم على الصمت، بل على القانون والعدالة وتكافؤ الفرص.

 

الخلفية القبلية داخل الحزب

 

القبيلة ليست مجرد انتماء جغرافي أو نسب عائلي، بل هي أيضًا نمط في التفكير والتنظيم. تقوم على العصبية، والحماية المتبادلة، والانتصار للجماعة، وتقديم الداخل على الخارج.

 

وعندما تنتقل هذه العقلية إلى الحزب، يصبح كل تيار قبيلة مصغرة، وكل زعيم رأس جماعة، وكل خلاف معركة ولاء.

 

لا يُسأل الشخص عندها: هل هو كفء؟ وهل يحترم القانون؟ وهل يخدم المشروع؟

 

بل يُسأل بصورة ضمنية: هل هو منا أم من غيرنا؟

 

وبهذا المعنى، قد يستمر الحزب في حمل اسم حديث، بينما تعمل داخله آليات تقليدية: القرابة، والعصبية، والحماية، والولاء الشخصي، والاصطفاف حول الأفراد.

 

وهذا ما يفسر أحيانًا كيف يصبح الدفاع عن المسؤول أقوى من الدفاع عن المبادئ، وكيف تتم حماية المقربين رغم ضعف حصيلتهم، بينما يُقصى المختلف ولو كان أكثر كفاءة وعطاء.

 

حين تنتصر القبيلة على المؤسسة

 

المؤسسة الحديثة لا تعرف الأشخاص إلا من خلال الوظائف والقوانين والنتائج. أما منطق القبيلة والعائلة، فيعرفهم من خلال القرب والولاء والانتماء.

 

وعندما يتغلب هذا المنطق داخل الحزب، تضعف الديمقراطية الداخلية، ويصبح التداول على المسؤولية صعبًا، ويتحول القانون الداخلي إلى نص يُستعمل انتقائيًا.

 

يُطبق على الضعفاء، ويُؤوَّل لصالح الأقوياء.

 

وتصبح الانتخابات الداخلية في بعض الحالات مجرد واجهة لإعادة ترتيب التوازنات القديمة، لا فرصة حقيقية للتغيير.

 

وتظهر أيضًا ظاهرة الإجماع المصطنع، حيث يُراد من الجميع أن يصفقوا للقرار نفسه، وأن يكرروا اللغة نفسها، وأن يؤجلوا اختلافهم باسم وحدة الصف.

 

لكن الحزب الذي يخاف من النقاش لا ينتج سياسة، بل ينتج طاعة.

 

كيف أُفرغ الحزب من وظائفه السياسية؟

 

وظيفة الحزب الأساسية هي تأطير المواطنين، وصناعة النخب، وتمثيل المصالح الاجتماعية، وإنتاج البرامج، والمساهمة في إدارة الاختلاف، وربط المجتمع بالدولة.

 

لكن عندما تتحول بنيته إلى عائلة موسعة أو زاوية سياسية أو قبيلة انتخابية، تضعف هذه الوظائف.

 

فبدل تأطير المواطنين، ينشغل الحزب بضبط الأتباع.

 

وبدل إنتاج البرامج، ينشغل بإدارة التوازنات الداخلية.

 

وبدل صناعة النخب، يعيد تدوير الأشخاص أنفسهم.

 

وبدل تمثيل المجتمع، يصبح منشغلًا بتوزيع المواقع.

 

وبدل أن يكون مدرسة للمواطنة، قد يتحول إلى مجال لتعلم الصمت والانضباط للزعيم وحساب موازين القوة.

 

وهنا يصبح الحزب موجودًا من الناحية القانونية، لكنه ضعيف من الناحية السياسية. له مقر وشعار وقيادة ومؤتمرات، لكنه لا يؤدي الوظائف التي من أجلها وُجد.

 

لماذا يضعف الحزب حين يغيب الزعيم؟

 

من علامات المؤسسة القوية أنها تستمر رغم تغير الأشخاص. أما التنظيم المبني على شخص واحد، فيبدأ في الضعف بمجرد غيابه.

 

وهذا هو الفرق بين الحزب بوصفه مؤسسة، والحزب بوصفه زاوية أو جماعة ولاء.

 

في المؤسسة، ينتقل القرار وفق القواعد.

 

وفي الزاوية السياسية، يرتبك الأتباع عند غياب الشيخ.

 

وفي المؤسسة، تنتج الهياكل قيادات جديدة.

 

وفي الحزب الشخصاني، يصبح كل خليفة مهددًا بالمقارنة مع الزعيم المؤسس.

 

ومن هنا نفهم لماذا تعيش بعض الأحزاب أزمات متكررة عند انتقال القيادة، ولماذا تتحول الخلافات التنظيمية إلى انشقاقات حادة، لأن الرابط بين الأعضاء لم يكن دائمًا رابطًا مؤسساتيًا، بل كان رابطًا شخصيًا أو عاطفيًا أو مصلحيًا.

 

هل المشكلة في الزاوية أو القبيلة؟

 

ليس المقصود من هذه المقارنة إصدار حكم سلبي على الزاوية أو القبيلة في ذاتيهما.

 

فالزاوية أدت أدوارًا روحية واجتماعية وتربوية ووطنية مهمة في التاريخ المغربي. كما أن القبيلة كانت إطارًا للتضامن والحماية والتنظيم الاجتماعي، خاصة في مراحل لم تكن فيها الدولة الحديثة قد اكتملت بنيتها.

 

المشكلة لا تكمن في وجود هذه البنيات داخل التاريخ والذاكرة، بل في نقلها إلى مؤسسات حديثة يفترض أن تقوم على منطق آخر.

 

فالزاوية تنجح حين تؤدي وظيفتها الروحية والتربوية.

 

والقبيلة تؤدي معناها حين تكون رابطة للتضامن وصون الذاكرة.

 

أما الحزب فلا ينجح إلا عندما يكون مؤسسة سياسية حقيقية، تقوم على البرنامج والقانون والمساءلة وتداول القيادة.

 

الخلل يبدأ حين نطلب من الحزب أن يحمل شكل المؤسسة الحديثة، بينما نُديره بعقلية الشيخ والمريد، أو الأبناء والورثة، أو القبيلة والعصبية.

 

من الحزب-العائلة إلى الحزب-المؤسسة

 

إصلاح الأحزاب لا يبدأ فقط بتغيير القوانين، بل بتغيير الثقافة التنظيمية.

 

يبدأ بالفصل بين احترام المسؤول وتقديسه، وبين الانضباط وإلغاء الرأي، وبين الوفاء للمشروع والولاء للأشخاص.

 

كما يتطلب ربط المسؤولية بالمردودية، واعتماد معايير واضحة في الترشيح والتكليف، وضمان التداول، وحماية حق الاختلاف، وإعادة الاعتبار للمناضل بوصفه مواطنًا حرًا لا تابعًا.

 

الحزب الحديث ليس جماعة مريدين، وليس بيتًا عائليًا، وليس قبيلة انتخابية.

 

إنه فضاء للتعاقد السياسي الحر.

 

ومن لا يستطيع أن يبني حزبًا يتجاوز الأشخاص والعائلات والعصبيات، لن يستطيع أن يبني دولة مؤسسات قوية.

 

ملاحظة منهجية

 

تبقى هذه القراءة فرضية تحليلية تساعد على فهم جانب من أزمة التنظيم الحزبي في المغرب، ولا ينبغي تعميمها بالدرجة نفسها على جميع الأحزاب أو جميع التجارب.

 

كما أن المقارنة بين الحزب والزاوية والقبيلة لا تعني التطابق بينها، فلكل واحدة منها سياقها ووظائفها التاريخية والاجتماعية المختلفة.

 

والمقصود ليس إدانة التراث التنظيمي المغربي، بل التساؤل عن كيفية استمرار بعض أنماطه داخل مؤسسات حديثة، ومدى تأثير ذلك في إفراغ الحزب من محتواه ووظائفه السياسية.

 

فالمجتمع لا يتغير بمجرد استيراد الأسماء والأشكال؛ بل حين تتغير أيضًا الثقافة التي تدير تلك الأشكال من الداخل.

 

لقد تبلورت هذه القراءة عبر مراجعات فكرية متواصلة وحوارات ونقاشات عميقة مع مثقف وطني وحقوقي نتقاسم، كلٌّ بطريقته، حب الوطن والإيمان بأن الإصلاح يبدأ بفهم البنيات قبل إصدار الأحكام عليها.

بقلم خديجة الفلاكي السباعي عضو مجلس جهة سوس ماسة سابقا

❤️🇲🇦💚

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة