بقلم الدكتور زكرياء بنعمر فارس
(حميدو بن فارس)، من مواليد سنة 1910 بقرية الحاجب ن تامسولت التابعة لجماعة تيديلي مسفيوة قرب الموقع الأثري أغمات، ومن كبار مقاومي الاستعمار الفرنسي ومن المؤسسين الأوائل لنادي الرجاء الرياضي. توفي يوم 13 ماي 1970 بدرب السلطان في الدار البيضاء.
النشأة
وُلد حميدو الوطني في أحضان قبيلة مسفيوة، وفي سن الثانية عشرة اضطر إلى مغادرة مسقط رأسه بسبب ممارسات القائد بوجان، أحد أبرز أعوان التهامي الكلاوي، متجهاً نحو الدار البيضاء. هناك، استقر بدرب السلطان، واشتغل في مهن متعددة قبل أن يتعلم مهنة كهربائي السيارات بمساعدة عائلة إسبانية تُدعى غويريرو، احتضنته وساعدته على تأسيس مشروعه التجاري «كازا رايون» في شارع محمد السادس حالياً، لبيع وإصلاح التجهيزات الكهربائية للسيارات.
الانخراط في المقاومة
كان توقه للحرية ورفضه للظلم الاستعماري دافعاً أساسياً وراء دخوله عالم المقاومة. حصل على لقب “الوطني” لصغر سنه ولارتدائه الدائم للطربوش الأحمر.
في سنة 1940، التقى إبراهيم الروداني، الذي أصبح رفيق دربه لأكثر من خمسة عشر عاماً. وبمساندة مالية من لَعشفوبي البوعزاوي، تحوّل درب السلطان إلى معقل للمقاومة. وفي سنة 1943، انضم الاثنان إلى حزب الاستقلال إلى جانب عبد الرحمن اليوسفي، عبد الرحيم بوعبيد، والهاشمي موتاوكيل.
واستغل حميدو نادي الوطن لكرة القدم، الذي أسسه سنة 1930 مع البوعزاوي، كغطاء سري لتنظيم الاجتماعات وتبادل الرسائل. كما كان مقهى الوطن نقطة التقاء المقاومين، ولاحقاً مؤسسي نادي الرجاء الرياضي.
المقاومة المسلحة
مع نهاية الأربعينيات، شارك حميدو في قيادة جيش التحرير بالجنوب، حيث وفّر سيارات “جيب” حصل عليها من القاعدة الأمريكية، وخصّص مكتبة بمنزله للطلبة، تخرّج منها مستقبلًا قضاة ووزراء ومسؤولون سامون. كما أسهم في إنشاء صندوق تضامني لدعم أسر مقاومي الجنوب.
نسّق، إلى جانب الروداني وعلي المنوزي، العمليات بين الريف والجنوب والمدن، مساهماً في توحيد العمل العسكري والسياسي.
اتحاد الجنوب
في سنة 1949، أسس مع عبد الله سنهاجي «اتحاد الجنوب» بهدف توحيد الخلايا السرية الساعية إلى القضاء على نفوذ التهامي الكلاوي. ضمّت المنظمة مقاومين من مراكش وورزازات وساهم فيها محمد بنحمّو الشباني بمدّها بالأسلحة والمتفجرات.
عندما اكتشفت قيادة حزب الاستقلال المنظمة، أمرت بحلّها، فاستجاب حميدو ورفاقه ظاهرياً حفاظاً على سرية العمل وحمايةً للنشاط المقاوم الحقيقي.
المنظمة السرية
بعد نفي السلطان محمد الخامس يوم 20 غشت 1953، تأسست “المنظمة السرية” (المنظمة السرية) في منزل باعمر البعمري بدرب السلطان، وكان حميدو الوطني من قياداتها المركزية إلى جانب محمد الزرقطوني، الروداني، سنهاجي، وحسن لرايشي. تميزت باستقلالية خلاياها وقدرتها على التنسيق في التسليح والتمويل وتهريب المقاومين نحو الشمال أو سيدي إفني.
اعتُقل حميدو والروداني وتعرضا للتعذيب في داركوم بالدار البيضاء، ثم نُقلا إلى خريبكة ومراكش، قبل أن يُسجنا لاحقاً في آيت أورير بعد محاولة اغتيال الكلاوي.
بعد الاستقلال
بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى، استقبله وأثنى عليه قائلاً:
«بلغني أنك ذُقت مرارة المنفى أيضاً، لكن منفاكَ كان قريباً من مسقط رأسك آيت أورير، حيث كنت مع رفيقك إبراهيم الروداني.»
ورغم مناصب عديدة عُرضت عليه بعد الاستقلال، رفضها جميعاً، وكتب للملك الحسن الثاني قائلاً:
«يكفيني أنني خدمت وطني وبقيت وفياً لشعار: الله، الوطن، الملك. أما الاستقلال فهو أعظم مكافأة.»
وطلب فقط إعطاء الأوامر لإعادة تأهيل سوق قريته وبناء ضريح المعتمد بن عباد في أغمات.
علاقته بكرة القدم
أسس حميدو نادي الوطن سنة 1930، وهو النادي الذي اكتشف فيه موهبة العربي بن مبارك وهو في الرابعة عشرة. وفي 1946، تحول النادي إلى فتح الدار البيضاء وفاز سنة 1949 بلقب دوري العصبة الحرة.
بعد ذلك، كان من بين الشخصيات المؤسسة لنادي الرجاء الرياضي سنة 1949، وإن اختار التفرغ للمقاومة وترك التسيير الرياضي للبقية.
الوفاة
يوم 13 ماي 1970، قُتل حميدو الوطني على يد شرطي مرور عند ملتقى شارعي مولاي إسماعيل ومولاي إدريس بدرب البلدية (درب السلطان) في حادث لُفّ بالغموض، ما جعل كثيرين يرجّحون فرضية الاغتيال.
تغمدك الله برحمته الواسعة وجعلك من اهل الجنة. تبقى لنا قدوة ومثل للريادة ونحن نتبع خطاك في حب بلدنا. وشغفنا بابناءه وملكه وثوابته الله الوطن الملك.









