الدكتور زكرياء بنعمر فارس
بعيداً عن الانقسامات الحزبية التي غالباً ما تزدحم بها الفضاءات العامة، يفرض منطق العقل نفسه بوضوح: الهجرة ليست مجرد متغير مالي لتعديل الميزانيات، بل هي المحرك الخفي، والقوي في آن واحد، لحيوية الأمم الحديثة. بين الضرورة الديموغرافية ونفحات الابتكار، نقدم تحليلاً لثروة لا تزال مجهولة القدر في كثير من الأحيان.
تميل النقاشات المعاصرة إلى حصر المهاجر في خيارين عقيمين: إما “عبء” يثقل كاهل دولة الرفاه، أو “تهديد” يتربص بالتماسك الوطني. بيد أن قراءة باردة للحقائق الاقتصادية تفند هذه الرؤية القاصرة. ففي المجتمعات الغربية التي تواجه “شتاءً ديموغرافياً” (شيخوخة السكان)، لا يعد استقطاب فئات شابة وديناميكية مجرد خيار، بل هو شرط بقاء لأنظمة التضامن بين الأجيال.
وفي مجال الابتكار، تتجلى المساهمة المهاجرة في أبهى صورها؛ إذ يعلمنا تاريخ النجاحات التكنولوجية والريادية الكبرى أن “الاقتلاع من الجذور” غالباً ما يكون تربة خصبة لصمود استثنائي وقدرة فائقة على التكيف. فالمهاجر، باستيراده لمنظورات متنوعة ومهارات غير مسبوقة، لا يكتفي بشغل وظيفة فحسب، بل يخلخل الهياكل القائمة، ويسجل براءات اختراع، ويؤسس شركات ستصبح ركائز لنمو الغد. إن هذا “الربح في رأس المال البشري”، الذي تحملت الدولة الأم تكاليف تعليمه وتنشئته، يمثل للدولة المضيفة مكسباً اقتصادياً غير مسبوق.
ومع ذلك، لا يمكن لهذه الإمكانات أن تزدهر دون إرادة سياسية متبصرة. إن العبء الحقيقي ليس هو المهاجر، بل هو الهدر المنهجي لمهاراته. فعندما يحكم الجمود الإداري على مهندس أو طبيب أجنبي بالتدني المهني، فإن المجتمع بأسره هو من يفتقر. إن نجاح الهجرة، إذن، لا يتوقف فقط على إرادة الوافد، بل على “ذكاء الاستضافة” لدى الجهة المستقبلة.
إن تعظيم هذه الثروة يتطلب إصلاحات هيكلية: من اعتراف مرن بالشهادات العلمية، إلى سياسات توجيه فعالة، ومحاربة لا هوادة فيها ضد كل أشكال التمييز.
خلاصة القول، الهجرة هي وعد. وتحول هذا الوعد إلى قوة دفع أو إلى مصدر توتر لا يعتمد على طبيعة التدفقات البشرية بقدر ما يعتمد على جودة سياسات الاندماج. إن كفّ الدولة المضيفة عن اعتبار المهاجر “حِملاً” والنظر إليه كمستثمر في مصيره الخاص، ليس مجرد فعل كرم، بل هو دليل على بعد نظر استراتيجي.









