دبلوماسية الكبار: كيف حول المغرب “طعنات القذافي” إلى طوق نجاة لليبيين؟

Mekki Sebai25 فبراير 2026آخر تحديث :
دبلوماسية الكبار: كيف حول المغرب “طعنات القذافي” إلى طوق نجاة لليبيين؟

دبلوماسية الكبار: كيف حول المغرب “طعنات القذافي” إلى طوق نجاة لليبيين؟

أعده للنشر وجمع مادته الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير،فبراير2026

في زمن لم يكن فيه الصمت اختيارا، وقفت المملكة المغربية شامخة، تنظر بتبصر يفوق ضجيج اللحظة العابرة. لقد كان النظام الليبي السابق بقيادة القذافي أحد أشد المعاندين للوحدة الترابية للمغرب، حيث سخر الإمكانيات والمنصات لاحتضان جبهة البوليساريو الانفصالية، وكأن التاريخ أراد أن يختبر صبر الأمة المغربية وعراقتها. ومع توالي السنين، جاءت سقطة ذلك النظام مهينة ومدوية، وفي مشهد كان يمكن لأي بلد آخر أن يتخذه فرصة للتشفي أو تصفية حسابات العقود المريرة، اختار المغرب تحت التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ترفع الكبار وحكمة الدولة التي تؤمن بأن الحلم المغاربي القوي لا يستقيم إلا بليبيا مستقرة وآمنة.

لقد تجلى هذا الاعتزاز بالموقف المغربي منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام في عام 2011، حيث لم يتعامل المغرب بمنطق الحسابات الضيقة أو رد الصاع صاعين، بل بادر فورا بالاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي كخيار للشعب الليبي، وأرسل المساعدات الطبية والإنسانية العاجلة للنازحين، مؤكدا أن الأخوة تسبق السياسة. ومنذ ذلك الحين، انطلقت المساعي الحميدة للمملكة لتتحول المدن المغربية إلى منصات لصناعة السلام؛ فكانت المحطة التاريخية الأبرز في 17 ديسمبر 2015 بمدينة الصخيرات، حيث نجحت الدبلوماسية المغربية في انتزاع “الاتفاق السياسي الليبي” الذي أفرز حكومة الوفاق الوطني والمجلس الأعلى للدولة، ليصبح هذا الاتفاق بشهادة مجلس الأمن الدولي المرجع الوحيد والشرعي لأي حل سياسي.

ولأن المغرب لا يبيع الأوهام ولا يفرض الوصاية، استمرت مجهوداته بهدوء وصبر، فاحتضنت مدينة بوزنيقة في سبتمبر وأكتوبر 2020 جولات حوار حاسمة نجحت في فك أعقد الملفات، وهي معايير وآليات اختيار شاغلي المناصب السيادية السبعة، من قبيل محافظ مصرف ليبيا المركزي ورئيس ديوان المحاسبة، مما مهد الطريق لتوحيد المؤسسات المالية والرقابية. ولم يتوقف العطاء المغربي عند هذا الحد، بل امتد ليشمل المؤسسة التشريعية، حيث استضافت مدينة طنجة في نوفمبر 2020 اجتماعا تاريخيا ضم أكثر من 120 نائبا ليبيا من مختلف الأطياف في أول لقاء لإنهاء انقسام البرلمان.

وفي سياق هذا التراكم الإيجابي المبني على الثقة، احتضن المغرب مجددا في بوزنيقة عام 2023 اجتماعات لجنة (6+6) المشكلة من مجلسي النواب والدولة، والتي انتهت بالتوافق على القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. إن هذا المسار يثبت للعالم أجمع أن المغرب، بقيادة ملكه الهمام، لا يبحث عن غنائم في ليبيا، بل يصر على أن الحل يجب أن يظل “ليبيا-ليبيا”، بعيدا عن التدخلات العسكرية الأجنبية. لقد أثبتت المملكة أنها السند الذي لا يميل، والجار الذي يؤتمن في الملمات، لتظل الرباط دائما هي البيت الكبير الذي يجتمع فيه الإخوة لترميم ما أفسده الدهر، معتزة بهويتها ومدافعة عن عمقها المغاربي بكل أمانة وإخلاص.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة